لم تعد حكومة بورتسودان تواجه أزمة عابرة يمكن تجاوزها بمزيد من الخطابات العسكرية أو الشعارات التعبوية، بل أصبحت محاصرة بأزمات متشابكة تضرب شرعيتها السياسية، وتُثقل كاهل المواطنين اقتصادياً، وتكشف عجزها عن تقديم إجابات مقنعة بشأن مستقبل الحرب ومصير الدولة السودانية. وبين الانهيار المعيشي، وتصاعد الاتهامات بارتكاب الانتهاكات، وتدهور قيمة العملة الوطنية، واتساع رقعة المواجهات العسكرية، تتكشف ملامح ورطة سياسية وعسكرية يدفع الشعب السوداني ثمنها من أمنه وقوت يومه ومستقبل أجياله.
يقف قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أمام اختبار تتجاوز مخاطره حدود المعارك الميدانية. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بخريطة السيطرة العسكرية، وإنما بقدرة السلطة القائمة على إدارة دولة أنهكتها الحرب، ومجتمع أنهكه النزوح والفقر، واقتصاد فقد مقومات الاستقرار، ومؤسسات عامة تتآكل تحت وطأة الصراع. ومع ذلك، لا تزال لغة الحسم العسكري تتقدم على لغة السلام، بينما يُترك المواطن السوداني لمواجهة الغلاء وانعدام الخدمات وتراجع فرص العمل، وكأن معاناته تفصيل هامشي في حسابات السلطة.
في الأسواق، لم تعد الأزمة الاقتصادية أرقاماً ترد في التقارير، بل أصبحت واقعاً يومياً يهدد قدرة ملايين السودانيين على الحصول على الغذاء والدواء ومقومات الحياة الأساسية. تراجع القوة الشرائية، وارتفاع أسعار السلع، واضطراب أسواق الصرف، وتدهور الخدمات، كلها مظاهر لأزمة تتجاوز قدرة الأسر على الاحتمال. وفي الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى سياسات اقتصادية عاجلة، وإصلاح مؤسسات الدولة، واستعادة الإنتاج، وتأمين الموارد العامة من الهدر والفساد، تنشغل السلطة بإدارة الحرب وتعبئة الأنصار، دون أن تقدم مشروعاً واضحاً للخروج من النفق المظلم.
إن السلطة التي تعجز عن توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة لمواطنيها لا تستطيع أن تجعل من الشعارات الوطنية بديلاً عن المسؤولية والمحاسبة. فالوطن ليس خطاباً عسكرياً، والسيادة ليست مبرراً لتجاهل حقوق الناس، والانتصار الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك، بل بقدرة الدولة على حماية حياة المواطنين وصون كرامتهم. إن حماية المدنيين واجب لا تسقطه ظروف الحرب، والتحقيق المستقل في الانتهاكات ضرورة لاستعادة الثقة في مؤسسات الدولة، أياً كانت الجهة المسؤولة عن الانتهاك
على الصعيد العسكري، يكشف استمرار الحرب واتساع جبهاتها عن مأزق يتجاوز الحسابات التكتيكية. فكلما طال أمد القتال، تراجعت فرص التعافي الاقتصادي، واتسعت دائرة النزوح، وتآكلت مؤسسات الدولة، وأصبح المدنيون أكثر عرضة للموت والجوع وفقدان المأوى.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل تمدد قوات الدعم السريع في بعض المناطق، وما يمثله ذلك من تحديات عسكرية وأمنية . لكن التعامل مع هذا الواقع لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتأجيل الحل السياسي إلى أجل غير معلوم، أو لإبقاء البلاد رهينة منطق الحرب المفتوحة. إن استمرار القتال لا يقدم ضمانة تلقائية لوحدة السودان، كما أن إطالة الحرب لا تعني بالضرورة اقتراب النصر لأي طرف. وكل يوم إضافي من المواجهات يضاعف كلفة الانهيار، ويترك البلاد أمام مخاطر التفكك وتعدد مراكز القوة وتراجع سلطة المؤسسات المدنية.
لقد أثبتت التجربة أن السلاح وحده لا يستطيع معالجة جذور الأزمة السودانية، وأن أي تسوية تتجاهل مطالب المدنيين في الحرية والسلام والعدالة ستظل تسوية هشة قابلة للانفجار من جديد. تتداخل الضغوط الداخلية والخارجية لتضع حكومة بورتسودان أمام أسئلة صعبة بشأن مستقبلها السياسي، وقدرتها على إقناع السودانيين والمجتمع الدولي بوجود مسار جاد لإنهاء الحرب واستعادة الحكم المدني.
فالضغوط الدبلوماسية، والمطالب بوقف القتال، والدعوات إلى حماية المدنيين، والتحركات الرامية إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، كلها مؤشرات على أن إدارة الأزمة لم تعد شأناً داخلياً معزولاً عن محيطها الإقليمي والدولي. لكن جوهر المأزق يظل داخلياً قبل كل شيء: كيف يمكن لسلطة أن تطلب من المواطنين الالتفاف حولها، بينما يعانون من تدهور المعيشة، ويواجهون مخاطر الحرب، ويبحثون عن إجابات بشأن مستقبلهم ومستقبل أبنائهم؟
إن شرعية أي سلطة لا تُقاس فقط بامتلاك القوة العسكرية، وإنما بمدى استجابتها لمطالب الشعب، واحترامها للقانون، وقدرتها على توفير الأمن والخدمات، واستعدادها للانتقال إلى نظام سياسي مدني خاضع للمساءلة. ومن هنا، فإن الخروج من ورطة البرهان لا يمكن أن يكون بمجرد تغيير الخطاب الإعلامي أو إطلاق وعود جديدة بالنصر، بل يتطلب مراجعة جذرية للمسار الذي قاد البلاد إلى هذا الانهيار، وفتح الطريق أمام حل سياسي يوقف الحرب ويعيد القرار إلى السودانيين.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.