السودان : بين الإستجابة لـ«الهدنة» ومخاوف الإنقسام .. !

تقرير : عين الحقيقة

يشهد السودان مرحلة حرجة تتقاطع فيها بوادر تهدئة محتملة مع تصاعد في الخطابات السياسية المتشددة، الامر الذي يعكس عمق الأزمة الممتدة منذ اندلاع حرب منتصف أبريل. وبالرغم من تزايد المؤشرات الإقليمية والدولية الداعمة لوقف النزاع “ولراب الصدع” وبالمقابل يسود الشارع السوداني شعور بأن البلاد قد تكون على أعتاب نهاية وشيكة للحرب، وسط استمرار حالة التباين في مواقف القوى الفاعلة داخلياً بتصريحاتها التي باتت تخييب آمال الكثيرين احيانا.

الصحفي عثمان ميرغني عن هذا المزاج العام في مقال له بالتأكيد على أن الحرب «آخذة في الأفول» داعياً إلى توجيه الأنظار نحو المستقبل عبر خطة استراتيجية خمسية

وأحدثت التصريحات الاخيرة الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي جاءت تفاعلاً مع جهود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الرامية إلى إنهاء الصراع، موجة من التفاؤل في الأوساط الشعبية، وسط مخاوف من الانقسام جعلت من المشهد السياسي ان يصبح في كف عفريت.

وفي وقت سابق عبر الكاتب الصحفي عثمان ميرغني عن هذا المزاج العام في مقال له بالتأكيد على أن الحرب «آخذة في الأفول» داعياً إلى توجيه الأنظار نحو المستقبل عبر خطة استراتيجية خمسية (2026 – 2030) تطرح بوصفها عقداً وطنياً ملزماً بين الدولة والمجتمع لإعادة الإعمار وترسيخ الاستقرار.

وشدد ميرغني على ضرورة تجاوز الشعارات التقليدية واعتماد رؤية واقعية تعيد بناء الثقة وتحضر البلاد لمرحلة ما بعد الحرب.

وبالمقابل وصف قائد الجيش”البرهان” أمس الأحد الورقة التي قدمتها الآلية الرباعية عبر المبعوث الأمريكي مسعد بولس بأنها “أسوأ ورقة تقدم”، مؤكداً أنها تتجاهل القوات المسلحة وتدعو لحل الأجهزة الأمنية مع الإبقاء على قوات الدعم السريع.

والجمعة الماضية 21 نوفمبر أطلق البرهان خطاباً حاداً بمدينة القطينة، أعلن فيه بوضوح: “يا نحن مافي، يا الدعم السريع دي مافي” في إشارة إلى أن المؤسسة العسكرية تنظر إلى الصراع باعتباره معركة وجودية لا تقبل حلول التسوية أو خيارات التعايش.

الصحفي صلاح شعيب قدم قراءة نقدية لمواقف البرهان المتناقصة، معتبراً أن هذا التناقض في تصريحات البرهان يعكس حجم الضغوط الداخلية والخارجية التي يواجهها

غير ان الصحفي صلاح شعيب قدم قراءة نقدية لمواقف البرهان المتناقصة، معتبراً أن هذا التناقض في تصريحات البرهان يعكس حجم الضغوط الداخلية والخارجية التي يواجهها، خصوصاً مع محاولته الموائمة بين استحقاقات المجتمع الدولي ورغبات القوى المحلية المؤثرة.

وأوضح شعيب، في منشور علي صفحته بالفيسبوك أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مدى التزام البرهان بمسار الهدنة أو الميل نحو تصعيد جديد.

من جانبها، قدمت الباحثة المتخصصة في الشأن الإفريقي، تحليلاً معمقاً للتداعيات الراهنة، مشيرة إلى أن الهشاشة الاجتماعية الناتجة عن النزوح واسع النطاق، وتآكل مؤسسات الدولة، وانهيار الخدمات، وانتشار السلاح، تجعل أي هدنة محتملة محاطة بتوقعات شعبية عالية ومخاوف أمنية كبيرة.

وأكدت أماني، في مقال لها تحت عنوان (هدنة السودان : رهانات خفض التصعيد ومخاطر اعادة انتاج الحرب) أن تجارب السودانيين المتراكمة مع الحروب والاتفاقات المؤقتة جعلت المجتمع أكثر حذراً تجاه أي ترتيبات لا تستند إلى ضمانات واضحة أو غطاء شعبي واسع، مشددة على أن الهدنة رغم أهميتها لا تكفي لخفض مستوى العنف ما لم ترفق بإجراءات شفافة وتوافق سياسي حقيقي.

ويرى مراقبون من تلك المواقف أن السودان يقف اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد تتطلب موازنة دقيقة بين الالتزامات الدولية والإقليمية الداعية لوقف إطلاق النار والدخول في مرحلة انتقالية آمنة، وبين الوقائع الميدانية والسياسية التي ما تزال تميل نحو خيار الحسم العسكري أو فرض شروط تفاوضية غير مستقرة.

ويري آخرين ان مستقبل البلاد، يتوقف على قدرة الأطراف المختلفة على استيعاب حساسية اللحظة السياسية الراهنة، وتهيئة المناخ للانتقال من خطاب الحرب إلى مسار التسوية وإعادة البناء.

ويبدو السودان اليوم أمام منعطف حاسم تتشابك فيه فرص إنهاء الحرب مع تحديات سياسية وأمنية واجتماعية معقدة، وبين التفاؤل الشعبي المتزايد، والتصعيد الخطابي المتناقض والمتواصل، والتحليلات التي تدعو للحذر، يبقى مستقبل البلاد رهين علي قدرة قياداتها ومكوناتها على التحلي بالمسؤولية وتبني مسار جاد وواقعي نحو الاستقرار. وستشكل الأشهر المقبلة اختباراً حقيقياً لإرادة الجميع في الخروج من دائرة الصراع والانطلاق نحو مرحلة تعافي وطني شامل يعيد للدولة هيبتها وللمجتمع أمنه واستقراره.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.