سقوط حقل هجليج النفطي: الضربة القاضية لاقتصاد حكومة بورتسودان

تقرير: عين الحقيقة

يبدو أن سيطرة قوات الدعم السريع على حقل هجليج النفطي، أحد أهم المنشآت النفطية في السودان، تمثل الخطوة الأكثر تأثيراً على المستوى الاقتصادي منذ اندلاع الحرب، وفقاً لمصادر محلية وعاملين في القطاع.

وقد أسفر هذا التطور عن توقف الإنتاج بالكامل، وإغلاق محطة المعالجة المركزية، وسحب جميع العاملين إلى داخل الأراضي الجنوبية، وهو ما شكّل ضربة قاضية لاقتصاد حكومة بورتسودان، الأمر الذي يفاقم الضغوط المالية عليها ويضع جنوب السودان أمام تحديات استراتيجية واقتصادية كبيرة.

ويُعد حقل هجليج من أكبر الحقول النفطية السودانية؛ إذ يبلغ إنتاجه نحو 20 ألف برميل يومياً من النفط المحلي، كما يشكّل المحطة الأساسية لمعالجة نفط جنوب السودان بما يعادل نحو 130 ألف برميل يومياً، إضافة إلى خزانات تتجاوز طاقتها 400 ألف برميل. ويتيح الحقل، بوصفه نقطة مركزية في شبكة التصدير، تدفّق الخام إلى ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، مما يجعله ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.

ووفقاً لتقديرات خبراء، يمثّل توقف الإنتاج ضربة مالية مباشرة لحكومة بورتسودان التي تعتمد على رسوم عبور النفط الجنوبي كمصدر رئيسي للنقد الأجنبي. وتدفع حكومة جوبا نحو 24.5 دولاراً عن كل برميل يمر عبر الأراضي السودانية، وهو مورد أساسي لتمويل العمليات العسكرية وشراء المعدات الحربية ودفع رواتب القوات الحكومية والمليشيات الموالية.

وبحسب مراقبين، يؤدي توقف هذا الدخل إلى ضغوط مالية كبيرة على حكومة بورتسودان، ويُضعف قدرتها على الاستمرار في إدارة العمليات العسكرية.

غير أن سيطرة الدعم السريع على الحقل تمثل امتداداً لحملاته العسكرية في غرب كردفان، حيث أصبحت قواته تسيطر على الشريط الغربي بالكامل. ويوفر هذا الامتداد قاعدة اقتصادية ولوجستية تمكّنه من تطوير شبكة تمويل مستقلة وتعزيز قدرته العسكرية، بما في ذلك تشغيل الطائرات المسيّرة واستخدام المنشآت كمنصات استراتيجية للتأثير على العمليات الحكومية.

ويرى الصحفي الإسلامي الموالي للجيش، عبدالماجد عبدالحميد، أن دخول قوات الدعم السريع إلى حقول هجليج يشكّل تحدياً جديداً للشعب والجيش السوداني في مواجهة ما وصفه بـ«التخريب الممنهج»، ويضع حكومة جنوب السودان أمام امتحان حقيقي. وأضاف عبدالماجد، في منشور على صفحته بالفيسبوك، أن ما وصفه بـ«استباحة الحقل» يهدد أحد أهم شرايين الاقتصاد الجنوبي، ويكشف ضعف الدعم السريع وعدم التزامه بأي هدنة.

وفي السياق، قالت حكومة السلام التي يترأسها حسن التعايشي، في بيان لها، إن سقوط هجليج يفتح الباب أمام حوار موضوعي واستراتيجي مع أشقائنا في جمهورية جنوب السودان على المستويين الأمني والاقتصادي، مؤكدة استعدادها التام للتعاون بما يخدم مصالح الشعبين ويعزز الاستقرار في الإقليم.

وفي المقابل، يجد جنوب السودان نفسه أمام تحديات اقتصادية كبيرة، إذ يعتمد اقتصاد الدولة على النفط بنسبة تفوق 90%، ويشكّل تصديره عبر الأراضي السودانية العمود الفقري لموازنته العامة. ويؤدي إغلاق محطة المعالجة في هجليج إلى انخفاض كبير في حجم الصادرات، مما يهدد الإيرادات الحكومية ويضع جوبا أمام خيار التعامل مع الواقع الجديد لضمان استمرار تدفق النفط، سواء عبر التفاوض مع الحكومة السودانية أو مع الطرف المسيطر على الحقل.

وعلى الصعيد الإقليمي، تابعت صحيفة ومنصة «عين الحقيقة» أن الوضع في هجليج أثار مخاوف شركات الطاقة العاملة في المنطقة، مع احتمال تأثر إمدادات النفط في شرق إفريقيا. ويرى خبراء أن استمرار توقف الإنتاج لفترة طويلة قد يفاقم الوضع في الأسواق المحلية والإقليمية ويستدعي تدخل أطراف إقليمية للتخفيف من التداعيات الاقتصادية.

وعلى أية حال، تُعد سيطرة الدعم السريع على حقل هجليج حدثاً محورياً يعيد تشكيل موازين القوة الاقتصادية والعسكرية في السودان، ويضع حكومة بورتسودان أمام أزمة مالية حادة، بينما يفرض على جنوب السودان اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان استمرار صادرات النفط وحماية استقراره الاقتصادي.

في خضم هذا المشهد المعقد، تبرز جملة من الأسئلة الجوهرية حول مستقبل الأوضاع الاقتصادية والعسكرية لحكومة بورتسودان وجنوب السودان، من أبرزها: إلى أي مدى ستتمكن بورتسودان من الصمود اقتصادياً في ظل توقف أهم موارد النقد الأجنبي؟

وهل تمتلك بدائل عملية لتعويض فاقد الرسوم النفطية في المدى القريب؟

وما الخيارات المتاحة أمام حكومة جنوب السودان لضمان استمرار صادراتها النفطية والحفاظ على استقرار موازنتها؟

وهل يقود هذا التطور إلى مسار تفاوضي جديد بين جوبا والأطراف المسيطرة على الحقل؟

والأهم: هل يشكل سقوط هجليج بداية إعادة رسم جديدة لتوازنات القوة داخل البلاد، أم مجرد محطة عسكرية ضمن سياق الحرب المستمرة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.