سباق على هجليج: نفط يعبر وجيوش تتحرك… والخرطوم تبحث عن مخرج آمن
تحركات معقّدة في منطقة حيوية تربط اقتصاد البلدين… ومخاوف من توظيف الصراع لخدمة أجندات سياسية
تشهد منطقة هجليج النفطية بولاية غرب كردفان تطورات متسارعة، بعدما أعادت قوات الدعم السريع رسم خريطة السيطرة في المنطقة خلال الأيام الماضية، في وقت فتحت فيه الخرطوم وجوبا قنوات اتصال مكثفة لتجنّب توقف الضخ وضمان استمرار عمل منشآت النفط التي تُعد شرياناً اقتصادياً حيوياً للسودان وجنوب السودان على حدّ سواء.
منطقة هجليج، التي تضم 75 بئرًا ومحطة معالجة رئيسية تُعدّ الأهم في تصدير نفط جنوب السودان عبر الخط الممتد إلى ميناء بشائر، باتت مسرحاً لحركة سياسية وأمنية حساسة، إذ إن توقف الإنتاج يعني خسارة جوبا لأكثر من 90% من إيراداتها، إضافة إلى خسائر مباشرة تُصيب السودان في رسوم العبور والإنتاج المحلي.
انتشرت قوات من جيش جنوب السودان حول الحقل بعد تفاهمات مباشرة مع الخرطوم، بينما أبلغت قوات الدعم السريع بأنها لن تقوم بأي نشاط قرب المنشآت النفطية.
اتصالات عاجلة وتفاهمات أولية
مصادر حكومية سودانية كشفت لصحيفة عين الحقيقة أن اتصالات رفيعة المستوى جرت بين قيادتي البلدين منذ اللحظة الأولى لتحركات قوات الدعم السريع نحو هجليج، بهدف حماية العاملين ومنع أي مواجهة قد تُعرّض البنية التحتية للخطر.
ووفق هذه المصادر، فقد انتشرت قوات من جيش جنوب السودان حول الحقل بعد تفاهمات مباشرة مع الخرطوم، بينما أبلغت قوات الدعم السريع بأنها لن تقوم بأي نشاط قرب المنشآت النفطية. المعلومات تشير كذلك إلى أن وفداً أمنياً من وزارة البترول في جوبا سيصل قريباً إلى بورتسودان لمناقشة ترتيبات التشغيل وتوزيع المهام الفنية لضمان استمرار تدفق النفط دون انقطاع.
أكد الفريق جونسون أولونج، مساعد رئيس قوات جنوب السودان، أن بلاده ملتزمة التزاماً كاملاً بالحياد في الصراع السوداني، وأن وجود قواتها في هجليج هدفه الوحيد حماية خطوط الإنتاج
التزام جنوبي بالحياد… ورسائل طمأنة للسودان
وأكد الفريق جونسون أولونج، مساعد رئيس قوات جنوب السودان، أن بلاده ملتزمة التزاماً كاملاً بالحياد في الصراع السوداني، وأن وجود قواتها في هجليج هدفه الوحيد حماية خطوط الإنتاج. ونشر الجيش الجنوبي صوراً تُظهر عناصر من الجيش السوداني بعد انسحابهم من مناطق قريبة من الحقل، في خطوة وصفها مراقبون بأنها محاولة لطمأنة الخرطوم وتأكيد أن جوبا لا تسعى لفرض أي واقع جديد على الأرض. كما وصل رئيس أركان جيش جنوب السودان، الفريق باول نانق، إلى منطقة رووينق لمتابعة الترتيبات الميدانية، وسط توقعات بأن يكتمل الانتشار خلال 48 ساعة.
مخاوف من استثمار الصراع لخدمة أجندات سياسية
ويرى محللون تحدّثوا لـعين الحقيقة أن ما يجري في هجليج يتجاوز مسألة السيطرة العسكرية، مرجّحين وجود محاولات من جهات مرتبطة بتيارات الإسلام السياسي، ممن نشطت لسنوات داخل مؤسسات الدولة، لاستثمار التوتر لصالحها عبر تعطيل موارد الدولة أو إعادة خلط الأوراق في غرب كردفان. ويشير الخبير الأمني إبراهيم عبد القادر إلى أن التوقيت وطبيعة التحرّكات توحيان بوجود جهات تستفيد من زعزعة الاستقرار في الحقول النفطية، معتبراً أن “إرباك المشهد في مناطق الإنتاج قد يُستخدم كورقة ضغط سياسية لصالح مجموعات فقدت تأثيرها خلال السنوات الماضية”.
أما الكاتب عبد الملك النعيم فيرى أن سيطرة الدعم السريع على هجليج تحمل تداعيات اقتصادية مباشرة على الخرطوم، مرجحاً أن بعض الأطراف الإقليمية والداخلية قد تحاول استغلال الموقف لتعزيز نفوذها، “خصوصاً تلك التي اعتادت اللعب في مناطق التوتر لتحقيق مكاسب تعويضية بعد تراجع حضورها السياسي”.
بيان رسمي لجيش جنوب السودان أن المنشآت النفطية تعمل بصورة طبيعية، لافتاً إلى رفع جاهزية القوات لضمان عدم تعرّض الحقول لأي تهديد
البترول بين المسارين الأمني والسياسي
ويؤكد بيان رسمي لجيش جنوب السودان أن المنشآت النفطية تعمل بصورة طبيعية، لافتاً إلى رفع جاهزية القوات لضمان عدم تعرّض الحقول لأي تهديد. كما أظهرت تسجيلات منسوبة لإدارة الحقل وجود ترتيبات مشتركة بين وزارة الطاقة السودانية وشركة GPOC الجنوبية، تشمل استبدال بعض الطواقم السودانية بأخرى جنوبية لضمان استمرارية التشغيل في ظل حساسية الوضع الأمني. وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تبدو هجليج مرة أخرى نقطة التقاء بين الأمن والسياسة والاقتصاد، حيث تحاول جوبا والخرطوم تجنب أي شرارة قد تُعيد المنطقة إلى دائرة الاشتعال، بينما تتجه الأنظار إلى الأيام المقبلة لمعرفة إن كانت الترتيبات الحالية ستصمد أم أنها مجرد هدنة مؤقتة في صراع طويل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.