بورتسودان في قلب الحراك الإقليمي: ماذا وراء التحركات السعودية والتركية المتزامنة؟

تقرير: عين الحقيقة

لم يعد المشهد في بورتسودان محصورًا في كونه مركزًا إداريًا مؤقتًا للدولة السودانية، بل تحوّل خلال الأشهر الأخيرة إلى نقطة تقاطع لملفات إقليمية معقّدة، تعكس حجم التنافس والتنسيق في آنٍ واحد بين قوى إقليمية فاعلة. وفي هذا السياق، أثار التزامن اللافت بين زيارة نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي إلى المدينة، ووصول طائرة تركية خاصة يُعتقد بارتباطها بجهاز الاستخبارات التركي، موجة من التساؤلات حول طبيعة الرسائل السياسية والأمنية التي يحملها هذا الحراك المتسارع.

وصول الطائرة التركية بعد ساعات فقط من الزيارة السعودية يفتح الباب أمام قراءة أعمق لدور أنقرة في السودان..

زيارة المسؤول السعودي ولقاؤه برئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان جاءت في توقيت بالغ الحساسية، وسط تعثر المسارات السياسية الداخلية، واستمرار النزاع العسكري، وتزايد القلق الإقليمي من تداعيات الأزمة السودانية على أمن البحر الأحمر واستقرار دول الجوار. وتشير معطيات المشهد إلى أن الرياض تسعى إلى إعادة تثبيت دورها كوسيط مؤثر، وضامن للاستقرار، خصوصًا في ظل ارتباط الملف السوداني بأمن الملاحة الدولية وتوازنات القرن الإفريقي.
في المقابل، فإن وصول الطائرة التركية بعد ساعات فقط من الزيارة السعودية يفتح الباب أمام قراءة أعمق لدور أنقرة في السودان. فتركيا، التي تمتلك تاريخًا من الانخراط السياسي والاقتصادي في البلاد، تتابع عن كثب التحولات الجارية، وتحرص على عدم الغياب عن أي ترتيبات إقليمية قد تُرسم لمستقبل السودان. ويعزز الطابع الخاص للطائرة، وتشغيلها عبر شركة معروفة بصلاتها الاستخباراتية، فرضية أن الزيارة تحمل أبعادًا تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي التقليدي.
التزامن بين التحركين لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للصراع على النفوذ في منطقة البحر الأحمر، حيث تتقاطع مصالح السعودية وتركيا ودول أخرى، بين السعي إلى الاستقرار من جهة، ومحاولة تأمين موطئ قدم في أي معادلة سياسية قادمة من جهة أخرى. كما يطرح هذا التزامن تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التحركات تعكس تنسيقًا غير معلن، أم تنافسًا هادئًا على التأثير في مسار القرار السوداني خلال المرحلة الانتقالية المقبلة.
وفي ظل غياب معلومات رسمية مفصلة حول طبيعة هذه اللقاءات والزيارات، تبقى بورتسودان مرآة لمشهد إقليمي مضطرب، تتحرك فيه العواصم المؤثرة بحذر، إدراكًا منها بأن أي تسوية في السودان لن تكون محلية خالصة، بل نتاج توازنات إقليمية دقيقة. وبين دبلوماسية سعودية نشطة، وحضور تركي محسوب، يبدو أن السودان بات مجددًا ساحة اختبار لإعادة رسم خرائط النفوذ في الإقليم، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من مؤشرات أكثر وضوحًا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.