(رياض) السياسة تُمسك بخيوط الأزمة: ماذا وراء لقاء بن سلمان والبرهان؟
تقرير تحليلي – صحيفة عين الحقيقة
في توقيتٍ بالغ الحساسية، استقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في الرياض، في لقاءٍ حمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، ليضع الملف السوداني مجددًا على طاولة الفعل الإقليمي المؤثر، لا سيما في ظل تعقيدات المشهد الميداني وتعثّر مسارات الحل الداخلي.
اللقاء، بحسب مراقبين، يعكس عودة الزخم السعودي إلى واجهة الوساطة الإقليمية، ويؤكد أن الرياض لا تنظر إلى الأزمة السودانية باعتبارها شأنًا محليًا فحسب، بل كقضية تمس أمن البحر الأحمر واستقرار الإقليم ككل.
محلل: زيارة البرهان تحمل رسائل داخلية وخارجية في آن واحد، موضحًا أن “القيادة السودانية تسعى إلى تأكيد شرعيتها الإقليمية، وطمأنة الحلفاء بأن المؤسسة العسكرية ما زالت تمسك بزمام المبادرة السياسية”.
السعودية من الوساطة إلى التأثير
يرى الدكتور عبدالله الشمري، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك سعود، أن اللقاء يأتي في إطار “تحول سعودي من دور الوسيط المحايد إلى الشريك الفاعل في هندسة الحلول”، مضيفًا في حديثه لـعين الحقيقة أن “الرياض تمتلك أوراق ضغط سياسية واقتصادية تجعلها قادرة على جمع الأطراف السودانية على طاولة تفاوض جادة”. ويشير الشمري إلى أن استضافة المملكة سابقًا لمباحثات جدة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يمنحها مصداقية إضافية، ويجعل أي تحرك جديد أكثر قابلية للنجاح، خصوصًا إذا تزامن مع تنسيق دولي وإقليمي واسع.
رسائل متعددة الاتجاهات
من جهته، يؤكد الكاتب والمحلل السوداني محمد الأمين البدوي أن زيارة البرهان تحمل رسائل داخلية وخارجية في آن واحد، موضحًا أن “القيادة السودانية تسعى إلى تأكيد شرعيتها الإقليمية، وطمأنة الحلفاء بأن المؤسسة العسكرية ما زالت تمسك بزمام المبادرة السياسية”.
ويضيف البدوي أن اللقاء قد يفتح الباب أمام دعم اقتصادي وإنساني سعودي، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية بالسودان، لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن “أي دعم خارجي لن يكون فعالًا ما لم يُقترن بإرادة سودانية حقيقية لإنهاء الصراع”.
الخبير في شؤون القرن الإفريقي الدكتور سمير عوض فيرى أن اللقاء يتجاوز الإطار الثنائي، معتبرًا أنه “جزء من إعادة ترتيب التوازنات في البحر الأحمر”
البعد الإقليمي والدولي
أما الخبير في شؤون القرن الإفريقي الدكتور سمير عوض فيرى أن اللقاء يتجاوز الإطار الثنائي، معتبرًا أنه “جزء من إعادة ترتيب التوازنات في البحر الأحمر”، لافتًا إلى أن استقرار السودان بات ضرورة استراتيجية لدول الخليج، وليس مجرد ملف تضامني.
ويضيف عوض أن السعودية تسعى إلى منع تدويل الأزمة السودانية بشكلٍ يُفقد دول الإقليم دورها، وهو ما يفسر تكثيف اللقاءات السياسية رفيعة المستوى في هذا التوقيت.
ما بعد اللقاء… هل تتغير المعادلة؟
ورغم الأهمية السياسية للقاء، يجمع الخبراء على أن نجاحه سيُقاس بما سيليه من خطوات عملية، سواء عبر إعادة إحياء مسار تفاوضي شامل، أو الدفع نحو هدنة إنسانية طويلة الأمد، تمهّد لحل سياسي مستدام.
في المحصلة، يبدو أن الرياض قررت ألا تقف عند حدود المتابعة، بل أن تكون في قلب المشهد السوداني، مستثمرة ثقلها السياسي وعلاقاتها الإقليمية. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح هذا الحراك في كسر حلقة العنف، أم أن تعقيدات الداخل السوداني ستظل أقوى من أي جهد خارجي؟ صحيفة (عين الحقيقة) ستواصل متابعة تطورات هذا الملف، حيث تتقاطع السياسة مع المصير، وتُختبر فيه قدرة الإقليم على صناعة السلام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.