بين مسقط والرياض.. هل يحمل البرهان مفاتيح السلام إلى السودان؟

تقرير: عين الحقيقة

في توقيت بالغ الحساسية، جاءت تحركات رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان نحو كلٍ من سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية، لتثير تساؤلات واسعة حول طبيعة هذه الزيارات، وما إذا كانت تمهيداً لتحرك سياسي جديد يضع الحرب السودانية على مسار التسوية، أم أنها مجرد جولات دبلوماسية لكسب الوقت وإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية. فالبلاد التي تعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، لم تعد تحتمل مزيداً من المناورات السياسية، بينما الملايين بين نازح ولاجئ، والاقتصاد ينهار، ومؤسسات الدولة تتآكل يوماً بعد آخر.

مراقبون أن مسقط قد تكون منصة مناسبة لنقل رسائل بين أطراف إقليمية ودولية منخرطة في الملف السوداني، خاصة في ظل تعثر المبادرات السابقة، وتراجع فاعلية المنابر التقليدية..

لماذا مسقط أولاً؟
تُعرف سلطنة عُمان بدورها الهادئ في الوساطات الإقليمية، إذ حافظت لعقود على سياسة خارجية متوازنة، ونجحت في لعب أدوار خلف الكواليس في ملفات معقدة بالمنطقة. لذلك، فإن زيارة البرهان إلى مسقط لم تُقرأ باعتبارها زيارة بروتوكولية فقط، بل كمؤشر على احتمال بحث قنوات تفاوض غير معلنة. ويرى مراقبون أن مسقط قد تكون منصة مناسبة لنقل رسائل بين أطراف إقليمية ودولية منخرطة في الملف السوداني، خاصة في ظل تعثر المبادرات السابقة، وتراجع فاعلية المنابر التقليدية. مصدر دبلوماسي سابق قال إن “عُمان لا تتحرك إعلامياً، لكنها تتحرك عندما تكون هناك فرص حقيقية لتقريب المواقف”، مشيراً إلى أن استضافة لقاءات غير مباشرة بين أطراف سودانية أو داعمين إقليميين “يبقى احتمالاً قائماً”.
الرياض.. مركز الثقل السياسي
أما زيارة السعودية، فتحمل أبعاداً أكثر وضوحاً، إذ تظل الرياض لاعباً رئيسياً في الملف السوداني، سواء عبر رعايتها السابقة لمحادثات جدة، أو بحكم تأثيرها السياسي والاقتصادي في المنطقة. السعودية تنظر إلى استقرار السودان باعتباره جزءاً من أمن البحر الأحمر والإقليم، كما أن استمرار الحرب يهدد بتوسيع دائرة الفوضى والهجرة والتهريب، وهي ملفات تثير اهتماماً مباشراً لدى دول الجوار. ويرى محللون أن الرياض قد تكون بصدد إحياء مسار تفاوضي جديد، أكثر واقعية، يعتمد على وقف إطلاق نار تدريجي، ثم ترتيبات إنسانية، يعقبها حوار سياسي شامل.
هل يبحث البرهان عن مخرج؟
تأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه القيادة العسكرية السودانية ضغوطاً متزايدة داخلياً وخارجياً. فالحرب طالت أكثر من المتوقع، وكلفتها الإنسانية والسياسية تتضاعف، بينما لا تبدو هناك حسم عسكري قريب لأي طرف. هذا الواقع يدفع إلى فرضية أن البرهان يبحث عن مخرج سياسي يحفظ موقعه، ويمنحه فرصة إعادة التموضع ضمن أي تسوية مقبلة، خاصة مع تصاعد الانتقادات الدولية بشأن استمرار النزاع وتدهور الأوضاع الإنسانية. لكن معارضين يشككون في جدية أي تحرك لا يسبقه إعلان واضح بوقف العمليات العسكرية، معتبرين أن “الزيارات الخارجية لا تعني شيئاً إذا لم تتبعها خطوات عملية داخل السودان”.
العقبة الأكبر.. من يملك قرار الحرب؟
أحد أكثر الأسئلة تداولاً في الأوساط السياسية هو: هل يملك البرهان منفرداً قرار إنهاء الحرب؟ أم أن هناك مراكز نفوذ عسكرية وأمنية وسياسية باتت تؤثر في مسار القرار؟ بعض الخبراء يشيرون إلى أن تعقيدات المشهد السوداني، وتشابك مصالح قوى داخلية وخارجية، جعلت قرار الحرب والسلام أكثر تعقيداً من أن يكون بيد شخص واحد، وهو ما يفسر بطء أي تقدم سياسي.
الشارع السوداني.. انتظار بلا ثقة
في الداخل، ينظر ملايين السودانيين إلى هذه التحركات بحذر شديد. فقد سئم الناس البيانات الرسمية، واللقاءات الخارجية، والوعود المتكررة التي لا تنعكس على حياتهم اليومية. ما يريده المواطن البسيط واضح: وقف القصف، عودة الخدمات، فتح المدارس، وتأمين الغذاء والدواء. أما الاجتماعات والصور التذكارية، فلم تعد كافية لإقناع شعب أنهكته الحرب.
هل نحن أمام لحظة سلام؟
رغم الشكوك، لا يمكن استبعاد أن تكون زيارة مسقط والرياض جزءاً من هندسة إقليمية جديدة لإنهاء النزاع، خاصة إذا توافقت العواصم المؤثرة على أن استمرار الحرب بات عبئاً جماعياً. لكن السلام في السودان لن يصنعه السفر وحده، ولا البيانات الدبلوماسية وحدها، بل قرار شجاع يقدّم حياة السودانيين على حسابات السلطة والسلاح.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.