حذرت الأمم المتحدة من أن الصراع الدائر في السودان بلغ مستويات غير مسبوقة من العنف والدمار، وسط معاناة هائلة للمدنيين، دون أي مؤشرات قريبة على نهاية الأزمة. جاء ذلك خلال جلسة عقدها مجلس الأمن الدولي، أمس الاثنين، لمناقشة التدهور المتسارع للأوضاع الأمنية والإنسانية في البلاد.
حذّر خياري من أن هذه التطورات تعكس تعقيدًا متزايدًا للصراع واتساع أبعاده الإقليمية، مؤكدًا أن عدم التصدي لها قد يؤدي إلى انخراط دول الجوار في صراع إقليمي داخل السودان وحوله..
كردفان بؤرة جديدة للاقتتال
قال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ، خالد خياري، إن كل يوم يمر يجلب مستويات صادمة من العنف والدمار في السودان. وأوضح أن القتال تركز خلال الأسابيع الأخيرة في إقليم كردفان، حيث حققت قوات الدعم السريع مكاسب ميدانية كبيرة. وأشار إلى تقارير أفادت بانسحاب عناصر من القوات المسلحة السودانية من بابنوسة وهجليج باتجاه جنوب السودان، إضافة إلى دخول قوات من جنوب السودان إلى الأراضي السودانية لحماية البنية التحتية النفطية في هجليج.
تحذير من تدويل الصراع
وحذّر خياري من أن هذه التطورات تعكس تعقيدًا متزايدًا للصراع واتساع أبعاده الإقليمية، مؤكدًا أن عدم التصدي لها قد يؤدي إلى انخراط دول الجوار في صراع إقليمي داخل السودان وحوله. ونبّه المسؤول الأممي إلى الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة من قبل طرفي النزاع، موضحًا أن الغارات العشوائية تسببت في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين. تدفّق السلاح دون محاسبة وقال خياري إن استمرار تدفّق الأسلحة المتطورة والفتّاكة لا يزال يشكّل محركًا رئيسيًا للصراع، مضيفًا أن الدعوات المتكررة لوقف هذه التدفقات قوبلت بالتجاهل، دون محاسبة أي طرف.
غياب الإرادة لحماية السكان
وأكد مساعد الأمين العام أن طرفي النزاع لا يزالان غير راغبين في تقديم تنازلات أو خفض التصعيد، مشيرًا إلى أنهما تمكّنا من وقف القتال للحفاظ على عائدات النفط، لكنهما فشلا في اتخاذ خطوات مماثلة لحماية المدنيين.
مديرة العمليات والمناصرة بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا، إديم وسورنو: وحشية الصراع في السودان «لا تعرف حدودًا».
المسار السياسي والجهود الأممية
وشدّد خياري على أن منع تدهور الأوضاع، والحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، يتطلب تحركًا سريعًا ومنسقًا. وأوضح أن المبعوث الشخصي للأمين العام للسودان، رمطان لعمامرة، يواصل التواصل مع طرفي النزاع لدفعهما نحو إجراءات ملموسة لتهدئة العنف وتعزيز حماية المدنيين. وأشار إلى أن الجهود تركز على دعم حوار سوداني شامل بقيادة الاتحاد الأفريقي، يمهّد الطريق لانتقال سياسي موثوق بقيادة مدنية، مضيفًا أن مكتب المبعوث يعمل على إعداد وثيقة توافقية لتجميع رؤى القوى السياسية والشخصيات الوطنية. كما أوضح أن الاستعدادات جارية لعقد اجتماع تشاوري جديد في القاهرة مطلع عام 2026 لتعزيز تنسيق مبادرات السلام.
«أوتشا» تحذّر من وحشية بلا حدود
من جانبها، قالت مديرة العمليات والمناصرة بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا، إديم وسورنو، إن وحشية الصراع في السودان «لا تعرف حدودًا». وأكدت أن ولايات كردفان برزت كمركز جديد للعنف والمعاناة خلال الفترة الأخيرة، مشيرة إلى أن الهجمات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى ودمار واسع، وقيّدت بشدة وصول المساعدات الإنسانية.
استهداف العمل الإنساني
وأوضحت وسورنو أن فريقًا أمميًا مشتركًا لم يتمكن من الوصول إلى مدينة كادقلي بسبب التدهور الأمني الخطير، لافتة إلى أن غارة استهدفت شاحنة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي في شمال كردفان مطلع ديسمبر شكّلت دليلًا على المخاطر الجسيمة التي يواجهها العاملون في المجال الإنساني.
دارفور تحت ضغط إنساني متصاعد
وأكدت المسؤولة الأممية أن الاحتياجات الإنسانية لا تزال هائلة في إقليم دارفور، مشيرة إلى تلقي تقارير عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، شملت عمليات قتل جماعي وعنفًا جنسيًا عقب السيطرة على مدينة الفاشر. وأضافت أن الموارد والقدرات الحالية لا تكفي لتلبية احتياجات الوافدين الجدد إلى مناطق مثل طويلة والدبة.
رئيس وزراء حكومة بورتسودان كامل إدريس إن السودان يواجه أزمة وجودية بسبب الحرب، مشيرًا إلى أن الأمل نفسه بات محاصرًا في ظل استمرار القتال
ثلاثة مسارات عاجلة
ودعت وسورنو مجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى التحرك على ثلاثة مسارات أساسية، تشمل: أولًا، حماية المدنيين ومنع الهجمات العشوائية والانتهاكات الجسيمة. ثانيًا، ضمان وصول المساعدات الإنسانية بأمان ودون عوائق. ثالثًا، دفع جهود السلام عبر وقف القتال وتدفّق السلاح، والتوصل إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار.
مبادرة حكومة السودان للسلام
وفي مداخلته أمام مجلس الأمن، قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس إن السودان يواجه أزمة وجودية بسبب الحرب، مشيرًا إلى أن الأمل نفسه بات محاصرًا في ظل استمرار القتال. وأوضح أن مبادرة حكومة السودان للسلام تنطلق من مسؤولية وطنية، وتهدف إلى حماية المدنيين واستعادة سلطة الدولة، مؤكدًا أنها مبادرة نابعة من الداخل وليست مفروضة، وتركّز على إنهاء حلقة العنف المستمرة منذ عقود. وأضاف أن المبادرة تشمل وقف إطلاق النار، ونزع سلاح الميليشيات، ومعالجة قضايا النازحين واللاجئين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، إلى جانب تدابير لبناء الثقة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية.
في ظل هذا المشهد القاتم، تتقاطع التحذيرات الأممية مع واقع إنساني وأمني يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، بينما يبقى المدنيون هم الثمن الأكبر لحرب بلا أفق. وبين دعوات المجتمع الدولي ومساعي السلام المتعثرة، يظل السؤال مفتوحًا حول قدرة الأطراف المتحاربة على تغليب صوت العقل، قبل أن ينزلق السودان إلى مرحلة أكثر خطورة يصعب احتواؤها إقليميًا وإنسانيًا.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.