وضع وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، مهلة زمنية حتى نهاية العام الجاري لتثبيت هدنة إنسانية في السودان، في خطوة تُعد الأولى التي تحدد فيها الإدارة الأميركية جدولًا زمنيًا مباشرًا أمام طرفي النزاع؛ الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، منذ إعلان واشنطن انخراطها بقوة في هذا الملف.
وتوقّع خبراء أن تتكثف تحركات الرباعية الدولية، بقيادة الإمارات العربية المتحدة، خلال الأيام المقبلة، سواء عبر اتصالات مباشرة أو غير مباشرة مع طرفي النزاع، لضمان تنفيذ الهدنة فورًا. وتنص خريطة الطريق المطروحة على وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، يعقبه تطوير الهدنة إلى وقف دائم، ثم الانتقال إلى عملية سياسية تفضي إلى حكم مدني.
وتعكس المهلة التي أعلنتها واشنطن توجهًا أكثر صرامة في تعامل الإدارة الأميركية مع الحرب في السودان، في محاولة لفرض مسار إنساني عاجل قبل بداية العام الجديد.
تحرك إنساني وسياسي متوازن
على وقع حرب تجاوزت عامها الثاني، ومع تعاظم الكلفة الإنسانية والانهيار الخدمي والاقتصادي، تتقدم الإمارات والرباعية الدولية بوضوح نحو هدف واحد يتمثل في وقف نزيف الدم السوداني، ووضع البلاد على مسار حل سياسي قابل للحياة. ويؤكد مراقبون أن هذا التحرك لا يأتي في سياق اصطفاف مع طرف، أو محاولة لفرض معادلات قسرية، بل في إطار رؤية تعتبر السودان بلدًا منكوبًا يحتاج إلى من يقف إلى جانبه، لا من يزيد من اشتعال ساحته.
ولهذا، كان انخراط الإمارات ضمن اللجنة الرباعية الدولية — التي تضم أيضًا المملكة العربية السعودية ومصر والولايات المتحدة — محوريًا في بناء جسر يربط بين المقاربة الإنسانية العاجلة والمسار السياسي طويل الأمد.
ومع كل يوم يمر، ومع تزايد أعداد الضحايا وتهجير المدنيين وتدهور البنية التحتية، تتأكد أهمية دور الرباعية، بمشاركة الإمارات، والذي تجاوز حدود التدخل الدبلوماسي التقليدي إلى مبادرات إنسانية، وضغط سياسي، وتواصل متوازن، يهدف في مجمله إلى إعادة السودان إلى مسار الدولة السلمية المستقرة.
وفي هذا المشهد المضطرب، تتجلى أهمية الرباعية الدولية كإطار متماسك قادر على ترجمة التحركات الإنسانية والسياسية إلى خطوات عملية تقود إلى استقرار دائم، حيث يصبح الحل السياسي الشامل الطريق الوحيد أمام السودانيين لإنهاء نزيف الحرب واستعادة المستقبل.
مسار شامل
يرى خبراء ومحللون سياسيون أن الإمارات انخرطت، منذ تصاعد النزاع، في حراك دبلوماسي وإغاثي واسع، سعيًا للاستجابة لمأساة السودان عبر مقاربة سلام واقعية وحقيقية.
ويؤكد هؤلاء أن هذا الحراك يعكس إدراك الإمارات العميق بأن الحل العسكري لا يمكن أن ينهي الصراع، وأن الطريق الوحيد أمام السودان يتمثل في وقف إطلاق النار وبدء مسار سياسي شامل تشارك فيه جميع القوى السودانية.
ويعتبر محللون أن دور الإمارات ضمن اللجنة الرباعية الدولية جعلها إحدى الركائز الأساسية في جهود تهدئة النزاع، وتوفير بيئة مواتية للحوار، بعيدًا عن أي اصطفافات أو أجندات طرفية.
ويشير المحللون إلى أن الدبلوماسية الإماراتية، ومنذ منتصف عام 2025، انتقلت من موقع المراقب إلى طرف فاعل، انطلاقًا من قناعة بأن استمرار القتال لا يخدم أحدًا، وأن الحلول العسكرية لن تحقق استقرارًا دائمًا. كما يؤكدون أن الإمارات أطلقت عدة مبادرات إنسانية ودبلوماسية، شملت إنشاء جسور جوية لإيصال المساعدات الغذائية والطبية، ودعم خطط إعادة النازحين، والضغط على الأطراف لفتح ممرات إنسانية آمنة.
ويضيف الخبراء أن هذه المبادرات لم تقتصر على الجانب الإغاثي، بل امتدت إلى جهود دبلوماسية نشطة لضمان عدم استغلال المساعدات لأغراض سياسية أو عسكرية، بما يعكس التزامًا أخلاقيًا وقانونيًا تجاه الشعب السوداني. وفي مؤتمر إنساني عُقد في أديس أبابا في فبراير 2025، شددت الإمارات على ضرورة حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات إلى جميع المناطق المتضررة، مؤكدة رفض أي محاولات لاستغلال العمل الإنساني.
دعم خيارات الشعب
ويرى محللون آخرون أن الحراك الإماراتي يأتي ضمن إطار جماعي أوسع تقوده اللجنة الرباعية الدولية، التي تعمل على وضع خطة شاملة لتحقيق السلام، وتشدد على سيادة السودان ووحدته، وتؤكد أن أي مستقبل سياسي يجب أن يقرره الشعب السوداني وحده، بعيدًا عن الضغوط الخارجية أو التدخل العسكري.
وتتضمن الخطط الرباعية خطوات واضحة تشمل هدنة إنسانية، ووقفًا دائمًا لإطلاق النار، وانتقالًا مدنيًا، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ووقف أي دعم عسكري خارجي. ويعتبر الخبراء أن هذا الإطار يمثل المسار الأكثر واقعية لتحقيق السلام، في ظل قناعة متزايدة بأن الحل العسكري لا يمكن أن يحسم الصراع القائم.
نقطة تحوّل
ويرى الكاتب والمحلل السياسي الكويتي مؤيد التركيت أن الجهود الدولية التي تبذلها دول الرباعية تمثل اليوم نقطة تحول حقيقية في مسار البحث عن السلام والاستقرار في السودان، بعد أن بلغت الأوضاع الإنسانية والأمنية مرحلة تتطلب موقفًا دوليًا حازمًا يضع حدًا لنزيف الدم المستمر.
ويؤكد التركيت أن سنوات الحرب وما خلّفته من ضحايا ودمار دفعت المجتمع الدولي، والعربي خصوصًا، إلى إعادة تقييم أدواته في التعامل مع الأزمة، ما عزز من أهمية الدور الذي تؤديه الرباعية باعتبارها آلية موحدة تمتلك القدرة على التأثير والضغط والتنسيق.
ويشير إلى أن الدبلوماسية الإماراتية برزت في هذا الملف بصورة لافتة، ليس فقط بحضورها السياسي، بل من خلال عملها المتوازي على المحاور الإنسانية والدبلوماسية والأمنية، وهو ما منح جهود الرباعية زخمًا وفاعلية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، يرى التركيت أن الإمارات دفعت باتجاه هدنة أولية واستئناف الحوار بين القوى المتنازعة، مستندة إلى سياسة تقوم على التهدئة ومنع اتساع رقعة الحرب وصولًا إلى عملية سياسية جامعة. ويختتم بالقول إن الشعب السوداني يقف اليوم على مفترق طرق، وإن جهود الرباعية، مدعومة بالدور الإماراتي، تمثل بارقة أمل حقيقية في وقف الحرب وإعادة السودان إلى مسار الدولة المستقرة.
من جانبه، يرى الباحث السعودي في الشؤون الاستراتيجية والأمنية فواز كاسب العنزي أن الجهود التي تقودها الرباعية الدولية تمثل الإطار الأكثر واقعية ونضجًا لإنهاء الصراع في السودان.
ويؤكد العنزي أن الرباعية تعمل وفق مقاربة سياسية وإنسانية متوازية، تبدأ بوقف إطلاق النار وتهيئة الظروف الإنسانية العاجلة، ثم الانتقال إلى عملية سياسية سودانية شاملة تعيد بناء مؤسسات الدولة وتمنع تفكك البلاد أو انزلاقها إلى حرب طويلة تهدد الأمن الإقليمي.
ويختتم العنزي بالتأكيد على أن الرباعية الدولية تمثل اليوم المسار الأكثر فاعلية لإنقاذ السودان، في لحظة تاريخية لا تحتمل مزيدًا من التأخير في وقف الحرب وإعادة بناء الدولة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.