الثروة الحيوانية بشرق دارفور… ركيزة اقتصادية وإستراتيجية في مواجهة تحديات الحرب
تقرير: عين الحقيقة
منذ تأسيس ولاية شرق دارفور عام 2012، في أعقاب توقيع اتفاقية الدوحة القطرية، برز قطاع الثروة الحيوانية كأحد أعمدة الاقتصاد الولائي، ومحركٍ رئيسي للنشاط الإنتاجي. وأسهم هذا القطاع بصورة ملموسة في دعم الإيرادات العامة، وتعزيز موقع الولاية ضمن خريطة الإنتاج الحيواني في السودان، لتغدو شرق دارفور، خلال فترة وجيزة، من أكثر الولايات الحديثة اعتمادًا على هذا المورد الحيوي، رغم محدودية البنية التحتية وتعقيدات الأوضاع الأمنية.
أهمية اقتصادية وإستراتيجية واجتماعية
يمثل قطاع الثروة الحيوانية في ولاية شرق دارفور ركيزة أساسية على المستويات الاقتصادية والإستراتيجية والاجتماعية. فعلى الصعيد الاقتصادي، تُصدِّر الولاية آلاف الرؤوس من الماشية إلى عدد من ولايات البلاد، وتشمل الإبل والضأن والأبقار، ما يحقق عوائد مالية مباشرة للمربين والتجار، ويسهم في تنشيط الأسواق المحلية والإقليمية.
أما من الناحية الإستراتيجية، فيُعد القطاع ثاني أهم دعائم الاقتصاد الولائي إلى جانب الزراعة، كما يشكل رمزًا للهوية الاقتصادية لسكان الولاية، ويسهم في الحفاظ على التوازن البيئي واستدامة الموارد الطبيعية.
واجتماعيًا، يتجاوز دور الثروة الحيوانية بعدها الاقتصادي، إذ تمثل رابطًا وجدانيًا واجتماعيًا بين مكونات المجتمع، لا سيما الرحّل والبدو، الذين ارتبطت حياتهم وأنماط عيشهم بتربية الماشية منذ أزمان بعيدة.
جهود لإنقاذ القطاع في ظل الحرب
في ظل التحديات التي فرضتها الحرب في السودان، كشفت وزارتا الزراعة والثروة الحيوانية بولاية شرق دارفور عن جهود مكثفة بُذلت خارج البلاد، لا سيما في مدينة جوبا، عاصمة دولة جنوب السودان، حيث عُقدت لقاءات مع عدد من المنظمات الدولية، من بينها برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة، بهدف دعم القطاع والمساهمة في الحد من تداعيات الحرب عليه.
وتركزت هذه الجهود على تقديم مساعدات فنية ولوجستية، شملت تدريب المزارعين والرعاة، وجلب التقاوي المحسنة، وتطعيم الماشية، وتحسين السلالات، بما يسهم في رفع الإنتاجية وحماية سبل كسب العيش.
جولات ميدانية وتنظيم العمل
وفي هذا السياق، اختتم المدير العام لوزارة الثروة الحيوانية بولاية شرق دارفور، الدكتور سعيد أبكر سعيد، قبل أيام، جولة ميدانية شملت عددًا من محليات الولاية، من بينها الفردوس وعسلاية وبحر العرب، برفقة نائبه الدكتور حامد يحي عبد النبي، ومديري الإدارات المختصة بالوزارة.
وبحسب إعلام الوزارة، عقد الوفد لقاءات مع المدراء التنفيذيين وإدارات الثروة الحيوانية بالمحليات، ناقش خلالها سبل تفعيل الإيرادات، وحل مشكلات العاملين، ومعالجة الاستحقاقات المالية، إلى جانب تكوين لجان ثابتة لمكافحة الأمراض البكتيرية، والحد من الذبح غير القانوني وخارج الأطر البيطرية المعتمدة.
شراكات ودعم دولي
كما وقّعت وزارة الثروة الحيوانية اتفاقية تعاون مع منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة يد العون السودانية (ساهو)، بهدف تطعيم الماشية وتطوير قطاع الثروة الحيوانية، بوصفه من أبرز وأهم القطاعات الاقتصادية في الولاية.
وتشير الإحصاءات الأولية إلى أن حجم الثروة الحيوانية في ولاية شرق دارفور يُقدَّر بنحو ثلاثة ملايين رأس، ما يجعلها إحدى الدعائم الاقتصادية الأساسية، وموردًا إستراتيجيًا قادرًا على الإسهام في تعافي الاقتصاد المحلي متى ما توفرت له الحماية والدعم المستدام.
في ظل ما تواجهه البلاد من أزمات مركبة، تظل الثروة الحيوانية بشرق دارفور رصيدًا اقتصاديًا وإستراتيجيًا بالغ الأهمية، ليس للولاية فحسب، بل للاقتصاد السوداني عمومًا. ويعتمد مستقبل هذا القطاع على تعزيز الشراكات، وتكثيف التدخلات الفنية، وحماية المراعي ومسارات الرُحّل، بما يضمن استدامته، ويحفظ دوره كمصدر للرزق، وعنصر للاستقرار الاجتماعي، وأداة فاعلة في إعادة بناء ما أفسدته الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.