سودانيون خارج السجل: كيف حوّلت الأوراق الثبوتية الغائبة مواطنين إلى “غير موجودين”؟

تقرير – عين الحقيقة

في مناطق واسعة من غرب السودان، لا تزال آلاف الأسر تعيش واقعًا قانونيًا هشًا، لا لسبب سوى غياب الأوراق الثبوتية التي تُعرّفهم كمواطنين. تقرير (عين الحقيقة) يكشف أن حرمان بعض السودانيين من استخراج أو تجديد الوثائق الرسمية مثل شهادة الميلاد، الرقم الوطني، أو البطاقة الشخصية وجواز السفر لم يعد حالة فردية أو استثنائية، بل ظاهرة ممتدة ذات آثار عميقة على الحقوق الأساسية، والاندماج الاجتماعي، والمستقبل السياسي لهؤلاء المواطنين.

مختصون في الشأن القانوني: غياب الأوراق الثبوتية لا يعني فقط فقدان بطاقة تعريف، بل سلسلة متكاملة من الحرمان تبدأ من التعليم والصحة، ولا تنتهي عند الحق في التنقل، والتملك، والمشاركة السياسية

بحسب إفادات حصلت عليها الصحيفة من مواطنين في ولايات دارفور وكردفان، فإن تعقيدات إدارية، واشتراطات غير متناسبة، وانهيار مؤسسات الدولة في مناطق النزاع، كلها عوامل أسهمت في تكريس أزمة “اللاهوية”. يقول أحد المتضررين، فضّل عدم ذكر اسمه: “وُلدت في السودان، وعشت فيه طوال حياتي، لكنني عاجز عن إثبات ذلك على الورق، وكأنني غير موجود”. هذه الشهادة تتكرر بصيغ مختلفة لدى شباب حُرموا من التعليم الجامعي، أو فرص العمل، أو حتى العلاج، بسبب غياب وثيقة رسمية واحدة.
ويشير مختصون في الشأن القانوني إلى أن غياب الأوراق الثبوتية لا يعني فقط فقدان بطاقة تعريف، بل سلسلة متكاملة من الحرمان تبدأ من التعليم والصحة، ولا تنتهي عند الحق في التنقل، والتملك، والمشاركة السياسية. وتوضح المحامية أمل عبد القادر، المتخصصة في قضايا الجنسية، أن “الدولة حين تعجز عن تسجيل مواطنيها، فهي فعليًا تحرمهم من كامل حزمة الحقوق المدنية والسياسية المكفولة لهم”.

المادة (15) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص صراحة على أن “لكل فرد حق التمتع بجنسية ما”، وتحظر حرمان أي شخص من جنسيته تعسفًا..

من الناحية القانونية الدولية، يتعارض هذا الواقع مع التزامات السودان بموجب عدد من المواثيق الدولية. فالمادة (15) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص صراحة على أن “لكل فرد حق التمتع بجنسية ما”، وتحظر حرمان أي شخص من جنسيته تعسفًا. كما تؤكد اتفاقية حقوق الطفل (المادة 7) حق الطفل في التسجيل فور الولادة، وفي اسم وجنسية، وهو حق غالبًا ما يُنتهك في مناطق النزاع بسبب غياب مكاتب السجل المدني أو تعقيد الإجراءات.
كذلك تنص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل مواطن في الاعتراف بشخصيته القانونية، والمشاركة في الشأن العام، وهي حقوق تصبح عمليًا مستحيلة دون وثائق رسمية. وتذهب تقارير حقوقية إلى أن استمرار هذا الوضع يخلق فئة من “المواطنين غير المرئيين”، ما يزيد من هشاشة النسيج الاجتماعي، ويغذي الشعور بالتهميش والإقصاء.

باحثون: أزمة الأوراق الثبوتية في السودان ليست مجرد خلل إداري، بل انعكاس مباشر للحرب، والنزوح، وضعف الدولة، إضافة إلى إرث طويل من التمييز غير المعلن

ويرى باحثون في قضايا الهشاشة والنزاع أن أزمة الأوراق الثبوتية في السودان ليست مجرد خلل إداري، بل انعكاس مباشر للحرب، والنزوح، وضعف الدولة، إضافة إلى إرث طويل من التمييز غير المعلن. ويؤكد د. عبد الرحيم سليمان، باحث في شؤون الحكم المحلي، أن “حرمان المواطنين من الهوية القانونية يقوّض مفهوم المواطنة نفسه، ويفتح الباب أمام انتهاكات أوسع يصعب رصدها أو محاسبة مرتكبيها”.
ويخلص هذا التقرير إلى أن معالجة أزمة الأوراق الثبوتية تتطلب أكثر من حملات مؤقتة أو وعود سياسية، بل سياسة وطنية شاملة تضمن التسجيل المدني دون تمييز، وتُبسّط الإجراءات، وتصل إلى مناطق النزاع والنزوح، بوصف ذلك حقًا أصيلًا لا منّة إدارية. فالدولة التي لا تعترف بمواطنيها على الورق، تُخاطر بفقدانهم في الواقع، وتُبقي جرحًا مفتوحًا في جسد العدالة والمواطنة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.