“قانون الوجوه الغريبة” في مناطق الجيش يحرم السودانيين من الأوراق الثبوتية: مواطنون بين التمييز وغياب الهوية

تقرير – عين الحقيقة

في مناطق متفرقة من السودان، بات الحصول على الأوراق الثبوتية خصوصًا جوازات السفرأكثر من مجرد إجراء إداري: إنه عنوان جديد للتمييز والعزل. يتفاقم هذا الواقع في ظل تطبيق ما يُعرف محليًا بـ “قانون الوجوه الغريبة” أو التصنيف السياسي في مناطق تخضع لسيطرة الجيش، وهي نصوص غامضة تُستخدم عمليًا لتقييد الحقوق الأساسية للمواطنين بحجج اجتماعية وجغرافية وسياسية، مما يؤثر بشكل مباشر على قدرتهم على استخراج الأوراق الرسمية، ويعيد إنتاج إقصاء طويل الأمد على أسس غير قانونية.

أزمة تجديد جوازات السفر تثير مخاوف من تمييز مناطقي وسياسي في السودان..

هذا القانون، بحسب مصادر محلية ونشطاء حقوقيين، لا يقتصر فقط على حصر المواطنين ضمن تصنيفات “مقبولة” و“غريبة”، بل يترافق مع ممارسات إدارية ترهق المتقدمين للحصول على الجوازات، أو تمنعهم تمامًا من استكمال إجراءاتهم. وفي السابق، أثارت أزمة تجديد جوازات السفر مخاوف من تمييز مناطقي وسياسي، إذ شكا بعض السودانيين من منعهم تجديد جوازاتهم بسبب تصنيفهم ضمن قوائم مرتبطة بانتماءات فُسرها البعض على أنها تستهدف معارضي بعض أطراف النزاع.
على الأرض، وثّق ناشطون حالات يُستدل منها على وقع هذا القانون. في إحدى قرى غرب السودان، اضطر شاب في منتصف العشرينات إلى التخلي عن حلم السفر للدراسة بالخارج بعد أن رفضت السلطات منحه جواز سفر، بزعم أنه من “الوجوه الغريبة” التي لا تتواءم مع معايير معروفة أو معلنة. وفي حادثة أخرى، أسرة كاملة مُنعت من استخراج جوازات السفر لأبنائها بسبب عقبة إدارية مرتبطة بنفس القانون، رغم تقديمها كافة المستندات المطلوبة حسب الإجراءات الرسمية المعمول بها لدى الإدارة العامة للجوازات والهجرة. مثل هذه الحوادث التي أجمع متضررون على تسجيلها مع منظمات حقوقية تضع آلاف المواطنين في حلقة من البيروقراطية والإقصاء، بينما لا تملك الدولة ما يكفي من شفافية أو ضوابط قانونية تحميهم من التمييز.

من الناحية القانونية، فإن حرمان أي مواطن من الوثائق الرسمية بما يخالف القانون السوداني الموحد والاتفاقيات الدولية يفتح الباب أمام انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان..

من الناحية القانونية، فإن حرمان أي مواطن من الوثائق الرسمية بما يخالف القانون السوداني الموحد والاتفاقيات الدولية يفتح الباب أمام انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. فـحق الحصول على هوية وجواز سفر يُعد جزءًا من الحق في الشخصية القانونية، المكفول في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ينص على أن “لكل فرد حق التمتع بجنسية ما”، ويحظر حرمان الشخص من أوراقه الثبوتية بشكل تعسفي. كما أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يضمن لكل مواطن الاعتراف بشخصيته القانونية والمشاركة في الشأن العام، وهما لا يمكنان عمليًا دون أوراق تثبت الهوية والجنسية.
على المستوى الوطني، قال قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان مؤخرًا إنه لا يجوز حرمان أي مواطن سوداني من استخراج الأوراق الثبوتية، حتى في حال وجود بلاغات جنائية، وهي توجيهات تعتبر مؤشرًا على محاولة رسم انفراج إداري في هذا الملف، رغم استمرار الشكاوى والممارسات المتناقضة في بعض المناطق.

في غياب رقابة مؤسساتية مستقلة، يتحول المواطن العادي إلى ضحية منظومة قانونية تفتقد إلى الشفافية والعدالة، مع تأثيرات تمتد إلى حرمانهم من السفر، التعليم، العلاج بالخارج، والحق في التمثيل القانوني الكامل.

لكن ومع ذلك، يظل السؤال حول تنفيذ هذه التوجيهات على الأرض مطروحًا، خصوصًا في المناطق التي تسيطر عليها قوات الجيش وتنفذ فيها قوانين إدارية خاصة بما في ذلك “قانون الوجوه الغريبة” والتي يقول معارضون إنها تستخدم لتقييد الحقوق بدلاً من حمايتها. وفي غياب رقابة مؤسساتية مستقلة، يتحول المواطن العادي إلى ضحية منظومة قانونية تفتقد إلى الشفافية والعدالة، مع تأثيرات تمتد إلى حرمانهم من السفر، التعليم، العلاج بالخارج، والحق في التمثيل القانوني الكامل.
إن استمرار هذه الممارسات، التي توثقها منظمات حقوقية ومواطنون متضررون، يعيد إلى الواجهة ثيمة الهوية والحقوق الأساسية في زمن الحرب، ويطرح تساؤلات حول مدى التزام الأطراف الفاعلة في النزاع بضمان أن تكون المواطنة السودانية متاحة للجميع، بغض النظر عن خلفيتهم أو موقعهم الجغرافي وهو مطلب لا يتأتى إلا بضمانات قانونية صارمة وتنفيذ حقيقي يلغي التمييز في الوصول إلى الأوراق الثبوتية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.