حراك إقليمي متسارع لإنقاذ السودان: دبلوماسية مكثّفة تعيد رسم موازين القرن الأفريقي

تقرير : عين الحقيقة

تشهد منطقة القرن الأفريقي نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً يعكس تصاعد القلق الإقليمي والدولي من استمرار الحرب في السودان وتداعياتها العميقة على الأمن والاستقرار في المنطقة.. فمع دخول الصراع عامه الثاني واتساع رقعة التوتر عبر الحدود، تبدو العواصم الإقليمية في سباق مع الزمن لاحتواء الأزمة قبل تحولها إلى تهديد استراتيجي متعدد الأوجه.

في هذا الصدد، اختتم وزير الدولة في وزارة الخارجية الإماراتية الشيخ شخبوط بن نهيان زيارة رسمية إلى أديس أبابا، أجرى خلالها مباحثات معمقة مع وزير الخارجية الإثيوبي ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، تناولت آخر تطورات الوضع الميداني والإنساني في السودان… وقد اتفق الاتحاد الأفريقي وإثيوبيا والإمارات على ضرورة التوصل إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وإطلاق عملية انتقالية شاملة تُفضي إلى تشكيل حكومة مدنية مستقلة.

وأكدت إثيوبيا والإمارات خلال اللقاءات عمق شراكتهما الاستراتيجية والتزامهما بدعم الاستقرار الإقليمي وحماية مصالحهما الاقتصادية المشتركة. كما أدان الطرفان الهجمات المتزايدة ضد المدنيين والعاملين في المجال الإنساني داخل السودان، ودعوا المتحاربين إلى الالتزام التام بحماية السكان ووقف الانتهاكات فوراً.

وفي قراءة موسّعة لهذه التحركات، أوضح أستاذ العلوم السياسية د. النور جادين أن زيارة شخبوط بن نهيان تأتي ضمن سلسلة من التحركات الموازية في السعودية ومصر ودول أخرى معنية بالملف السوداني.

وقال إن الحرب دمّرت البنية التحتية ودَفعت القوى الإقليمية والدولية إلى تكثيف جهودها للوصول إلى تسوية توقف القتال.

واستدرك جادين أن دولاً مثل السعودية ومصر وإثيوبيا والإمارات وإريتريا والولايات المتحدة وتركيا تتحرك بفعالية سعياً لفرض وقف لإطلاق النار، مستندة إلى ما يمثله السودان من أهمية استراتيجية في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا.

وأشار إلى أن السودان يمتلك رصيداً ضخماً من الموارد- المياه والنفط والمعادن والذهب والصمغ العربي والأراضي الزراعية فضلاً عن موقعه الجيوسياسي الحيوي على البحر الأحمر.

وأوضح جادين أن هذه العوامل تجعل السودان محوراً للتنافس الإقليمي، لافتاً إلى أن مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري عبر البحر الأحمر تسببت في توترات مع الصومال، خاصة في ظل الوضع المعقّد لإقليم «أرض الصومال» الذي يحظى باعتراف محدود.

وتناول جادين جهود الآلية الرباعية «الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات»، مبيناً أن مساري جدة وجنيف شهدا تقدماً متفاوتاً، وأن السعودية تُجري حالياً حوارات مباشرة مع الطرفين السودانيين لبلورة اتفاق جديد.

لكنه أكد أن تحركات الدول تنطلق- أولاً وأخيراً- من حماية مصالحها، في ظل موارد السودان الهائلة غير المستغلة، وضرب مثالاً بمنطقة الفشقة الخصبة التي ظلت مسرحاً لتنافس مستمر.

من جانبه، قال محلل سياسي فضّل حجب اسمه لـ”عين الحقيقة» إن الزخم الدبلوماسي الراهن يعكس خشية حقيقية لدى القوى الإقليمية من أن يؤدي استمرار الحرب إلى فراغ استراتيجي تستفيد منه قوى دولية أخرى.

ورأى أن الإمارات وإثيوبيا والاتحاد الأفريقي يتحركون ضمن مسارات مختلفة لكن متقاطعة، سعياً لمنع تداعيات الحرب من الانتشار عبر الحدود.

وأشار إلى أن السودان بات جزءاً من معادلة إقليمية مركّبة تشمل أمن البحر الأحمر، وتنافس القوى الإقليمية على الموانئ، وتوتر العلاقات بين إثيوبيا والصومال بشأن المنافذ البحرية.

واعتبر أن أي حل سياسي في السودان لن يكون ممكناً إلا من خلال توافق إقليمي عريض يسانده ضغط دولي متواصل على طرفي النزاع.

وفي الإطار، ترى أوساط دبلوماسية غربية وإفريقية أن الحرب السودانية لم تعد صراعاً داخلياً فحسب، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز لإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الأفريقي.

فالدول المتاخمة للسودان تنظر بقلق إلى ما قد ينجم عن استمرار القتال من موجات نزوح إضافية، وتفاقم التحديات الأمنية على الحدود، وازدياد هشاشة الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر.

كما يخشى مراقبون أن يؤدي طول أمد الحرب إلى ظهور شبكات تهريب مسلحة، وتنامي نفوذ الجماعات المتطرفة، وهو ما قد يفتح الباب أمام تدخلات أوسع تغذّي الصراع بدل احتوائه. وفي ظل هذا الواقع، تبدو الجهود الدبلوماسية الحالية أشبه بسباق مع الزمن، هدفه منع السودان من الانزلاق إلى نقطة اللاعودة.

ورغم الزخم الدولي والإقليمي، يؤكد محللون أن وقف الحرب يظل رهن إرادة سودانية خالصة، وأن أي ضغوط خارجية ستظل بلا جدوى ما لم يقرر طرفا النزاع أن تكلفة القتال أصبحت أثقل من كلفة السلام.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.