حين تحوّل “المشروع الإسلامي” إلى حرب: كيف دفع السودان ثمن وهم السلطة؟

سيف الدولة كمال

في السودان، لم تكن الحرب حدثًا طارئًا بقدر ما كانت نتيجة منطقية لمسار طويل من التشوّه السياسي والأخلاقي، مسارٍ صاغته الحركة الإسلامية حين اختطفت الدولة، وأعادت تشكيلها على صورتها الضيقة، ثم تركتها تتآكل من الداخل حتى انفجرت.
أعادت الحرب الأخيرة تعريف معنى الفقد في السودان. لم تكتفِ بإزهاق الأرواح وتشريد الملايين، بل مزّقت فكرة الدولة نفسها. المدن التي كانت تنبض بالحياة تحوّلت إلى خرائط للخراب، والمؤسسات التي يُفترض أن تحمي المواطن انهارت أو تحوّلت إلى أدوات صراع. لم يكن هذا الانهيار وليد اللحظة، بل حصيلة سنوات من تفكيك ممنهج للدولة لصالح الولاء الأيديولوجي.
منذ استيلائهم على السلطة، عمل الإسلاميون على إفراغ الدولة من مضمونها الوطني. استبدلوا الكفاءة بالولاء، والقانون بالتأويل، والمؤسسة بالعقيدة. مشروع “التمكين” لم يكن سوى عملية إقصاء واسعة أعادت تشكيل الجيش، والأمن، والاقتصاد، والإعلام، وفق منطق الجماعة لا منطق الدولة. وحين ضعفت القبضة المركزية، لم يترددوا في فتح الباب أمام عسكرة السياسة، فصار السلاح لغة التفاوض الوحيدة.
أحد أكثر آثار الحرب قسوة هو الدمار الاقتصادي الصامت. انهارت سلاسل الإنتاج، توقّفت الزراعة والصناعة، وتحوّلت موارد البلاد إلى غنائم حرب. هذا الانهيار لم يبدأ مع الرصاص، بل مع اقتصاد الإسلاميين القائم على الفساد، والاحتكار، وتسييس المال العام. الحرب جاءت لتكشف هشاشة بنية اقتصادية بُنيت على الريع والشعارات، لا على التنمية والعدالة.
مزّقت الحرب النسيج الاجتماعي، لكنها في الحقيقة كشفت شروخًا أقدم. خطاب الإسلاميين الإقصائي، الذي قسّم السودانيين إلى “مؤمنين” و“خصوم”، غذّى الكراهية وأضعف فكرة المواطنة. ومع اندلاع الحرب، عادت هذه الانقسامات في أبشع صورها: تهجير قسري، انتهاكات واسعة، وذاكرة جماعية مثقلة بالخوف والخذلان.
لا يمكن قراءة ما حدث في السودان بمعزل عن الدور التاريخي للحركة الإسلامية. فهي لم تفشل فقط في إدارة الدولة، بل قادت عملية تدمير بطيئة لها. وحين سقط مشروعهم في الشارع، حاولوا الاحتماء بالفوضى، معتبرين أن خراب الوطن أهون من خسارة السلطة. بهذا المعنى، لم تكن الحرب سوى الفصل الأكثر دموية في كتاب طويل من الأخطاء المتعمدة.
إن تجاوز آثار الحرب لا يبدأ بإعادة الإعمار فقط، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الدولة المدنية، وفصل الدين عن الصراع على السلطة، ومحاسبة من قادوا البلاد إلى هذا المصير. فالسودان لا يحتاج إلى شعارات خلاص جديدة، بل إلى عقد وطني يعيد الإنسان إلى مركز السياسة، ويغلق نهائيًا باب العبث الذي فُتح باسم الدين وانتهى بالدم.
الحرب كشفت الحقيقة العارية: ما دُمّرت في السودان لم يكن المدن وحدها، بل وهم المشروع الإسلامي الذي وعد بالجنة، وترك البلاد على حافة الجحيم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.