هكذا يتحول “أهون الشرين” إلى سلاح ذي حدين؟!

الجميل الفاضل

في أعماق ظلام هذه العقود الثلاثة أو الأربعة، ظلت فلسفة “أهون الشرين” ثابتة لدى الحركة الإسلامية لا تتحول عنها أبداً.
فالإسلاميون الذين لا يطيقون رؤية حقيقة ما فعلوه بالسودان خلال فترة حكمهم للبلاد.
درجوا على ممارسة ضرب من التزلج الهروبي فوق جليد التاريخ، وعلى إتيان نوع من القفز بلا توقف إلى الأمام أو في الظلام.
إلى أن زجوا أنفسهم في خط تفاضل دائري مستمر بين كل “أهون شرين” يكونان لا محالة أفدح مما سبق أن واجههم من شرور، لا زالوا يتخبطون في براثنها، كالذي يتخبطه المس من الشيطان.
عموماً، هذا ما أضحى يحدث للإسلاميين باستمرار، رغم أنهم ظلوا ينظرون لنتائج هذا الواقع الذي صنعوه بأيديهم كشر مستطير لا خير فيه، يستدعي أن يتخيروا لأنفسهم دائماً أهون ما يخشون أن يقع من مثل هذا الشر على رؤوسهم، قبل غيرهم.
ومن هذا الباب قدر أحد منظري الإسلاميين أمين حسن عمر، أن حسم ما أسماه بالتمرد عن طريق الحرب هو “أهون شرين” يواجهان جماعته في هذا المنعطف، من شر أكبر يلوح أمامهم كحبل يتدلى في الفراغ، كلما كثر الكلام عن السلام ووقف الحرب.
فقد تركوا اليوم رمال كردفان تتناثر كدموع أرض تبكي أبناءها المفقودين في غياهب الزمن، لتحمل الريح نحيب الثكالى عبر فلواتها الجرداء الخالية من بشر، كأنها ترثي وطناً يموت ببطء تحت وطأة بعض من أبنائه الذين باعوا أحلامهم للشيطان.
على أية حال، منذ أبريل 2023، ظل هذا الشبحَ يجوس في الديار، يسرق الأنفاس، يحرق القرى، يدفن الآمال تحت سراب تراب أسود دامٍ، قبل أن يترك وراءه أصداء أطفال يبكون أمهاتهم في ليالٍ طوال، وأمهات يبحثن عن أطفالهن بين الحطام وأكوام الرماد.
في قلب هذا الظلام الحالك، لا زالت تقف هكذا الحركة الإسلامية كصخرة صماء، لا تتزحزح، ولا تنحني للريح، تمد أغصانها الخفية داخل الجيش كشجرة سامة، تمتص دماء وطن يعاني فقراً أزلياً في الدم، ترقص على أنغام أهزوجتها الدموية الخالدة:
“فلترق منا دماء، أو ترق منهم دماء، أو ترق كل الدماء”.
وللحقيقة، فإن أي دموية مطلقة كهذه تقوم على أساس مظلومية متوهمة، لا تصبح هي مجرد شعور عابر، بل هوية كاملة ومحور وجودي:
تبدأ منها لعبة الهروب المستمر إلى الأمام، كلعبة لا تنتهي، لا تتوقف، لا تعرف الراحة، لأن توقفها يعني مواجهة مباشرة تنتقل أو تبدأ من داخل الذات، التي هي من نوع مواجهات تقود في نهايتها إلى انهيار تلك المنظومة بالكامل.
ولذا قد نجد أن الإسلاميين يبدأون في العادة أي نقاش حول تجربة حكمهم بإنكار أو تبرير كل أفعالهم السيئة، التي لا يريدون أن يُواجهونها كخطأ أخلاقي أو سياسي، بل يفضلون أن يُعامل كل حدث ارتكبوه على حده، لتبريره كـ”ضرورة تاريخية” أو أنه نشأ كرد فعل طبيعي في مواجهة “مؤامرة فرضتها عليهم بعض الظروف الخارجة عن إرادتهم”.
وهكذا يبدأون دائماً بنوع من الإنكار الأولي: “لم يحدث” أو “الأرقام مبالغ فيها” أو أن الإعلام الغربي والعملاء يكذبون.
ليردفوا بتبرير لاحق لو أنهم حوصروا بالحقائق: الأمر “كان لا بد منه”، “كان دفاعاً عن الدين/الوطن/الهوية”، “الآخرون فعلوا أسوأ منه”، “إذاً نحن أيضا ضحايا أكثر مما نحن جلادون”.
فالتاريخ لا يُكتب عندهم كسجل حقائق، بل كسردية دفاعية تُعاد صياغتها كل يوم.
هذا قبل أن يمارسوا في مرحلة تليها الهروب إلى الأمام بدلاً من التوقف للمراجعة أو الاعتذار أو التصالح.
ولذلك تجدهم يحرصون على الدوام على الإنخراط في معركة تالية حتى لو بافتعالها.
فكل هزيمة تُحوَّل عندهم إلى “فرصة”، وكل خسارة تُصبح “دليلاً على صحة الموقف”، وكل انتقاد مهما اتسم بالموضوعية يُصبح “هجوماً يجب الرد عليه”.
لا وقت عندهم للندم، لا وقت للنظر في المرآة، لا وقت للسؤال: “هل نحن جزء من هذه المشكلة العميقة؟”.
اندفاعهم يُصبح غاية بحد ذاته: “إذا توقفنا، سنُحاسب، فلا بد أن نستمر في الحركة والدوران”.
وبالتالي فإنهم في مرحلة أخيرة قد يذهبون للقفز في أي ظلام يخفي عدوهم المزعج “الحقيقة”.
إذاً هم لا يرغبون بطبعهم في البحث عن مخرج نحو النور، بل يحاولون باستمرار القفز في أي ظلام متاح يمكن أن يخفي الحقيقة ولو مؤقتاً.
من خلال بناء تحالفات جديدة مع قوى أكثر ظلاماً.
أو بانتاج خطاب أكثر عنصرية وتطرف لتعبئة القلة المتبقية من الشعب.
أو بنسج روايات أشد انتهاكاً وتدميراً لتبرير الاقل بمنطق الكم.
أو بالانتقال من “الدفاع عن الوطن” إلى الدفاع عن وجود حركتهم وبقائها حتى لو ضاع هذا الوطن نفسه.
وبالطبع فإن كل قفزة في ظلام جديد قد تُكلف الناس أكثر: دماء أكثر، دمار أكثر، عزلة أكثر، لكنها مهمة عندهم فقط لأنها تؤجل لحظة مواجهة الحقيقة المرة كالحنظل.
هي لعبة تصبح نتيجتها الحتمية: إنهيار بطيء من الداخل يمكن أن يفقدها أتباعها تدريجياً، فالشباب يهربون، المتعاطفون ينفضون، القيادات الوسطى تنشق أو تُقمع.
كما أنهم ربما تفقدهم شرعيتهم الشعبية: حين يرى الشعب فيهم صورة الجلاد الحقيقي بعد اكتشافه لفرية أنهم مظلومون وضحايا، حينها سيصبح خطاب “نحن المظلومين نحن الضحايا” غير مقنع.
هذا ما سيقودهم بلا شك للاستغراق في ظلام دامس، يجعلهم أكثر اعتماداً على قوى خارجية ظلامية هي كذلك، تفقدهم بالتدريج استقلاليتهم لتصبح حركتهم أداة بالكامل في يد متطرفين آخرين.
وباستعادة الدوران في ذات هذه الحلقة المفرغة، التي لا تنتج مع كل “هروب إلى الأمام” سوي مشكلة أكبر، هذه المشكلة الأكبر ذاتها قد تحتاج إلى قفزة أعمق في ظلام أعمق، يُنتج هو كذلك مشكلة أكبر من سابقاتها، هكذا دواليك تمضي الأمور إلى أن تتبدد أو تنفد الطاقة أو ينهار هذا الهيكل على جميع من تحته.
لكن سؤال العقل هو: لماذا لا يتوقفون الآن قبل استنفاد الوقت والموارد وضياع كل شيء؟
المهم فإن التجارب تقول إن من يبدأ هروبا كهذا من الحقيقة لا يتوقف:
وأنه قد يذهب إلى تبرير يحفظ له مجرد توازنه الداخلي على الأقل بالقول: “نحن لسنا الجلادون الوحيدين، فالكل جلادون، ونحن لسنا بدعاً عن أولئك، بل نحن كغيرنا تماماً”.
هو إنكار يأتي تفادياً لمواجهة من شأنها أن تهدد الهوية الجماعية لهذه المجموعة، إذ أن الاعتراف بجلاديتهم يعني بالضرورة تفكك رواية المظلومية التي يقوم عليها وجودهم برمته.
لذلك تجدهم يفضلون لعبة أبدية، هي لعبة الهروب إلى الأمام، بإنكار التاريخ السيء أو تبريره، ثم بالقفز تارة أخرى في ظلام جديد على أمل أن يخفي الحقيقة لفترة إضافية.
غير أن المأساة الحقيقية هي أن
كلما طال مثل هذا اللعب، زاد الدم والخراب، وقلّت فرصة العودة إلى الواقع، وإلى الاعتراف، وإلى التصالح، والبناء.
فهل يمكن لمن جعل المظلومية هويته أن يتوقف عن هذه اللعبة قبل أن تُنهي الجميع؟
إن هذا هو بالضبط التحدي الذي يواجهه السودان اليوم.
إذ أن هذه الحركة لا ترى على هذه الأرض ما يستحق الحياة، ولا في الأفق خيراً جديراً بالبقاء.
لا تضع عن أعينها نظاراتها الفاشية السوداء، التي ظلت تحجب عنها رؤية أي نصف ممتلئ من أي كوب كان.
ولا تسمح لها أن ترى في الوجود بالمطلق إلا شراً مستطيراً، لا يفسح لها سبيلاً سوى سبيل الاختيار على أساس: “أهون الشرين”، تلك الفلسفة التي لا تتغير، كعقيدة تجذرت في تربة “الإنقاذ” الدامية.
هي عقيدة من شأنها أن تجعل الحرب خياراً أقل ألماً من سلام يمزق التمكين.
وتقسيم البلاد أرحم من وحدة تفتح على الإسلاميين أبواب الحساب.
وقبول الهدنة تكتيكياً أهون من رفضها الذي يُلقي بكل أهل هذا المركب في هاوية ترامبية سحيقة.
المهم فالتاريخ هنا يكشف كيف تحولت استدامة قاعدة “أهون الشرين” إلى سيف ذي حدين، يبرر من خلاله المحظور لدفع شر أعظم دائماً:
قالوا: إن انقلاب 30 يونيو 1989،
كنا نُسبق به انقلاباً بعثياً يسارياً وشيكاً،
انقلاباً كان يُعد له في الأروقة السرية للجيش، وكان من شأنه أن يُنهي أي أمل في تطبيق الشريعة، ليُعيد السودان إلى علمانية عهد ما قبل النميري،
أو أنه: سيُقمع الإسلاميين كما حدث في دول أخرى.
فكان هذا الانقلاب أيضاً “أهون شرين”،
شر أصغر من انقلاب يُجهض الدعوة قبل أن تُزهر، أو تدخل دولي يقمع الحركة كما قُمعت في مصر 1954، أو في الجزائر، عندما انقلب الجنرال خالد نزار في العام 1992 على جبهة الإنقاذ الإسلامية بزعامة عباسي مدني وعلي بلحاج،
ليقطع الطريق الذي كان مفتوحاً أمام حكم إسلامي ديمقراطي واعد كما يظنون.
لتندلع حرب أهلية في الجزائر دامت عشر سنوات، قُتل فيها أكثر من مئتي ألف شخص، بمثلما اندلعت لذات الهدف في السودان الآن.
يقول الإسلاميون هنا: “لو انتظرنا الديمقراطية، لكنا كالجزائر: فوز ثم انقلاب عسكري مدعوم دولياً، ثم قمع وحرب وإبادة”.
هكذا برروا اختيارهم سكة الانقلاب ك”أهون شرين”.
ولهذا عملوا على أن يسبقوا الجنرالات البعثين كما زعموا، قبل أن يسبقوهم إلى القصر.
الحركة الإسلامية بررت انقلابها في 1989 بنظرية “أهون الشرين” لتجنب ما ادعت أنه مصائر مشابهة وقعت للإخوان المسلمين في أقطار أخرى.
لكن الأدهى أنها الي اليوم، في هذه الحرب أيضاً، تعيد ذات الأسطوانة المشروخة القديمة التي تقول:
إن استمرار القتال ضرورة تبيح مثل هذا المحظور، كأهون شر من هدنة تفكك التمكين الإسلامي المقدس، وتفتح أبواب المحاسبة على جرائم يُعتقد أنها وقعت لثلاثين عاماً أو أكثر،
لتصبح الدماء التي تُراق اليوم ثمناً رخيصاً لصمود وبقاء قلعة الإخوان المسلمين المباركة ربانياً في الغد.
إنها في النهاية ليلة طويلة لا تنتهي، ترنو لغد بعيد لا ينتظر، وفجر لخلاص هذا الشعب تأخر كثيرا فازداد ثمنه فداحة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.