السودان: 71% تحت خط الفقر المدقع… حرب تأكل ما تبقّى من الوطن

سيف الدولة كمال

لم تعد أرقام الفقر في السودان مجرد مؤشرات اقتصادية جافة، بل تحوّلت إلى مرآة دامية تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفتها الحرب المستمرة. عندما يُقال إن نحو 71% من السكان باتوا يعيشون تحت خط الفقر المدقع، فإن الحديث لا يدور عن أزمة معيشية عابرة، بل عن انهيار شامل في بنية الدولة والمجتمع، وعن ملايين البشر الذين صاروا أسرى للجوع والنزوح وانعدام الأمل.
الحرب لم تدمّر البنية التحتية فحسب، بل دمّرت دورة الحياة الاقتصادية بالكامل. توقفت المصانع، انهارت الزراعة في مناطق واسعة، تعطلت سلاسل الإمداد، وتبخّرت فرص العمل. وفي ظل غياب الاستقرار الأمني، باتت الأسواق نفسها ساحات خوف، حيث ترتفع الأسعار يوميًا بينما تتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة. لم يعد السؤال كيف يعيش المواطن، بل كيف ينجو يومًا إضافيًا.
الطبقة الوسطى، التي كانت تمثل العمود الفقري لأي استقرار اجتماعي، تآكلت بسرعة مذهلة. آلاف الموظفين فقدوا وظائفهم أو دخلهم، وأصحاب المهن الصغيرة أُجبروا على إغلاق مشاريعهم. حتى من بقيت لديهم مصادر دخل، وجدوا أنفسهم عاجزين أمام تضخم متوحش وندرة في السلع الأساسية. ومع اتساع دائرة الفقر، تزداد مخاطر الانزلاق نحو اقتصاد الظل والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.
الأخطر من ذلك أن الحرب أعادت إنتاج الفقر عبر الأجيال. ملايين الأطفال خارج المدارس، إما بسبب النزوح أو تحويل المدارس إلى ملاجئ، أو بسبب العجز عن تحمّل التكاليف. جيل كامل يواجه خطر الضياع، ما يعني أن آثار الحرب لن تتوقف عند حدود الحاضر، بل ستمتد لعقود قادمة.
في المقابل، تبدو الاستجابة الدولية أقل من حجم المأساة، بينما تعاني مؤسسات الدولة من ضعف وانقسام يمنعها من تقديم الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية. المساعدات الإنسانية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن حل سياسي يوقف النزيف ويعيد تشغيل الاقتصاد. فالفقر المدقع ليس قدراً، بل نتيجة مباشرة لاستمرار الصراع وغياب رؤية وطنية جامعة.
إن الأرقام القاسية حول الفقر في السودان ليست مجرد إحصاءات تُنشر في تقارير المنظمات الدولية، بل هي نداء إنساني عاجل. وقف الحرب لم يعد خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة وجودية لبقاء المجتمع نفسه. فكل يوم يمرّ دون تسوية حقيقية، يعني مزيدًا من الأطفال الجائعين، ومزيدًا من الأسر الممزقة، ومزيدًا من وطن يتآكل بصمت.
السودان اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي: إما استمرار الحرب بما تحمله من جوع وفوضى وانهيار، أو بداية مسار شاق نحو السلام وإعادة البناء. وبين هذين الخيارين، يبقى المواطن البسيط هو الضحية الأولى… وربما الأخيرة إذا استمر الصمت.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.