الحرب التي انفجرت في السودان في أبريل 2023 جاءت تتويجًا لمسار طويل من العمل المنهجي الذي قادته بقايا الحركة (الاسلاموية)، سعيًا لإعادة إنتاج سلطتها التي أسقطتها ثورة ديسمبر المجيدة في 2019م، فالحرب، في جوهرها، لم تكن فقط صراعًا بين قوتين عسكريتين، بل كانت أداة سياسية استخدمها الإسلامويون كخيار أخير لمنع الانتقال المدني، وقطع الطريق أمام أي تسوية تُخرجهم نهائيًا من المشهد.
أولًا: الدافع الحقيقي لإشعال الحرب*
بعد سقوط نظام عمر البشير، لم يتعامل الإسلامويون مع الهزيمة كنهاية لمشروعهم، بل اعتبروها انتكاسة مؤقتة، ظلّ هاجسهم الأساسي هو تفكيك الدولة المدنية قبل أن تستقر، وإجهاض أي مسار يؤدي إلى محاسبتهم أو تفكيك شبكات التمكين الاقتصادي والأمني التي بنوها خلال ثلاثين عامًا.
الاتفاق الإطاري، وما سبقه من تفاهمات مدنية–عسكرية، مثّل تهديدًا وجوديًا لهم، لأنه يعني خروجهم من مؤسسات الدولة، وفتح ملفات الفساد والانتهاكات، وإعادة بناء جيش مهني بعيد عن الأدلجة، من هنا تحوّل خيار الحرب إلى وسيلة سياسية مقصودة، لا نتيجة خطأ في التقدير.
ثانيًا: التمهيد للحرب وصناعة مناخها*
لم يبدأ دور الإسلامويين مع أول رصاصة، بل سبقها بسنوات من التحريض والتخريب المنهجي. أعادوا تنشيط خلاياهم التنظيمية داخل الجيش والأجهزة الأمنية، وأحيوا المليشيات العقائدية تحت مسميات جديدة، وسوّقوها باعتبارها قوى وطنية. بالتوازي، جرى ضخ خطاب تعبوي ديني يصوّر أي انتقال مدني باعتباره مؤامرة على الدين والهوية.
في الأشهر التي سبقت الحرب، تصاعد خطاب التخوين، وجرى تجريم السلام، وشيطنة القوى المدنية، وهي لغة لم تكن عفوية، بل جزءًا من إعداد نفسي وسياسي لقبول الحرب بوصفها “حلًا”.
ثالثًا: لحظة الانفجار والدور العملي*
مع اندلاع القتال، خرج الإسلامويون من الظل إلى العلن. كوادر معروفة من النظام السابق شاركت في القتال أو في الإسناد، وكتائب عقائدية أعيد تدويرها من الدفاع الشعبي قاتلت تحت غطاء الجيش، فيما لعبت المنصات الإعلامية المرتبطة بهم دورًا محوريًا في تبرير الحرب وتخوين كل من يدعو لوقفها.
لم يكن الهدف الحسم العسكري بقدر ما كان إطالة أمد الصراع، لأن الزمن، في حساباتهم، يعمل لصالحهم: كلما طال القتال، انهارت فكرة الدولة المدنية، وتآكلت القوى السياسية، وتحولت المؤسسة العسكرية إلى مرجعية وحيدة لا يمكن تجاوزها.
رابعًا: الفيديوهات… الدليل الذي فضح صانعيه*
ما يجعل إنكار الإسلامويين لدورهم في إشعال الحرب فعلًا فاضحًا، ليس فقط التناقض في الخطاب، بل الأدلة المصوّرة التي خرجت من أفواههم هم أنفسهم. فقد وثّقت مقاطع فيديو متداولة خطابات وتحريضًا مباشرًا لقادة وكوادر محسوبة على التيار الإسلاموي، وهي مقاطع لم تُسرّب من خصومهم، بل صُوّرت ونُشرت باعتبارها مادة تعبئة وفخر في لحظة اندفاعهم الأولى.
تُظهر هذه الفيديوهات لغة صريحة في التحريض على القتال، وتمجيد الحرب باعتبارها “معركة وجود” وشيطنة أي صوت يدعو للسلام ووصمه بالخيانة، الأخطر أن بعض هذه المقاطع سُجّل قبل اندلاع الحرب، ما يؤكد أن الصراع لم يكن انفجارًا مفاجئًا، بل نتيجة تهيئة ذهنية وسياسية ممنهجة، أما المقاطع التي صُوّرت في أيام الحرب الأولى، فهي تكشف بلا مواربة أن من كانوا يرفعون شعارات الحسم والتطهير، هم أنفسهم من خرجوا لاحقًا للتبرؤ والإنكار.
هذه الفيديوهات تحوّلت اليوم إلى وثائق إدانة سياسية وأخلاقية، لا يمكن محوها ببيانات نفي أو تغيير لهجة. الكاميرا التي أرادوها أداة تعبئة، صارت شاهدًا ضدهم.
خامسًا: الاستثمار في الحرب لا إنهاؤها*
تعامل الإسلامويون مع الحرب باعتبارها فرصة لإعادة التموضع داخل الدولة، وتصفية الخصوم تحت غطاء أمني، وإعادة تقديم أنفسهم كحماة للدولة بعد أن كانوا سبب خرابها. لذلك، قوبلت كل مبادرة لوقف إطلاق النار بالتشكيك أو التخوين، لأن السلام، في حساباتهم، يعيد السياسة إلى الواجهة، والسياسة تعني المحاسبة.
سادسًا: من الإشعال إلى الإنكار بلا حياء*
بعد أن انكشفت الأدوار، انتقل الإسلامويون إلى خطاب جديد يقوم على الإنكار الكامل، واتهام القوى المدنية بأنها سبب الحرب، وتحميل أطراف أخرى المسؤولية. هذا السلوك ليس جديدًا، بل نمط متكرر في تجربتهم السياسية: إشعال الأزمة، ثم التبرؤ منها، ثم تقديم أنفسهم كبديل أقل سوءًا.
الأخطر هنا ليس الكذب وحده، بل انعدام الحياء السياسي. الأصوات التي حرّضت على القتال تتبرىء منه، والمنصات التي مجّدت الحرب تتباكى على الضحايا، والتنظيم الذي دمّر الدولة يتهم الآخرين بتدميرها.
خلاصة القول إن الحرب في السودان لم تكن قدرًا محتومًا، بل صُنعت صناعةً، وجرى الإعداد لها عبر تهيئة الكوادر، وتوفير غطاء سياسي وإعلامي، ورصد ميزانيات مالية كبيرة لخدمتها. ولم يعد بعد ذلك مجال للإنكار أو المراوغة؛ فالإسلامويون كانوا في قلب صناعتها: تخطيطًا، وتحريضًا، وتنفيذًا، ثم إنكارًا. وما لم يُكشف هذا الدور بوضوح، وتُسمَّ الأشياء بأسمائها، سيظل السودان عالقًا في دائرة مفرغة: ذات الوجوه التي تشعل الحرائق، ثم تقف فوق الرماد، متهمة الآخرين بالحريق.
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)..
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.