حين تسقط الجامعات ولا تسقط الكرامة من قاعات التدريس إلى السوق المركزي.. الحرب تعيد تشكيل مكانة الأستاذ الجامعي في السودان

القضارف: عين الحقيقة

في مشهد يلخص التحولات القاسية التي فرضتها الحرب في السودان، وجد الدكتور النور عبدالمجيد… أستاذ جامعي عمل بجامعة الخرطوم وجامعة الملك سعود — نفسه يعمل في السوق المركزي بمدينة القضارف بعد انهيار الجامعة وتوقف الرواتب.

«أنا وسط الفلفلية والأسود… أنا متماهٍ مع المشهد»، هكذا قال د. النور لـ عين الحقيقة وهو يرتّب الخضروات أمامه بهدوئه المعروف، في صورة تختصر المسافة بين قاعات التدريس الراقية وأرصفة السوق التي لجأ إليها بحثاً عن مصدر دخل يحمي أسرته من الجوع.

ويفترش د. النور اليوم صناديق الخضار بدلاً عن منصات المحاضرات، دون أن تشير ملامح المكان إلى خلفيته الأكاديمية. لا لافتة ولا شهادة، فقط رجل يعمل بكرامة رغم قسوة الظروف.

ويقول الأستاذ الجامعي إن التحول لم يكن خياراً شخصياً، بل نتيجة مباشرة للحرب التي شلّت مؤسسات التعليم العالي، وأفقدت آلاف الأساتذة وظائفهم ورواتبهم، ودفعتهم إلى الهجرة أو النزوح أو الأعمال الهامشية.

ويرى د. النور أن العمل مهما تغيّر شكله يظل قيمة إنسانية، مؤكداً أن المكان لا يصنع المرء، بل يصنعه فعله وصبره وصلابته في وجه المحن.

وتعكس قصة د. النور معاناة قطاع واسع من أعضاء هيئة التدريس في السودان، ممن وجدوا أنفسهم خارج المنظومة التعليمية بعد انهيار الجامعات وتوقف العملية الأكاديمية في أجزاء كبيرة من البلاد.

وتعد هذه الواقعة شهادة على حجم الفجوة التي أحدثتها الحرب في المؤسسات الوطنية، خاصة في قطاع التعليم العالي، الذي كان يحتضن خيرة العقول والكفاءات.

من داخل السوق المركزي بالقضارف، وبين أكوام الخضروات والباذنجان، يواصل د. النور عبدالمجيد تقديم درس صامت في الكرامة والصمود، بينما يبقى الوطن كما يقول «مديناً لأبنائه الذين سقطت مؤسساتهم لكن لم تسقط قيمهم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.