​كرامة «الكيزان» في بلاد السودان

محمد الحسن أحمد

​نمضي في ظلمات دروب معسكر «حرب كرامة الكيزان»، لنلحظ جملة التناقضات وتحالف الأضداد الذي لا يجمع بينه سوى الانتهازية واللصوصية؛ المغلفتين بالدين حيناً، والعاريتين أحياناً أخرى. وفي المقالين السابقين، استعرضنا بإيجاز صراعات ومخازي المليشيات المناصرة لما يسمى “بالجيش”، والذي أضحى مجرد مليشيا بيد «الإسلامويين». ​نحاول عبر هذه المقالة إلقاء نظرة على سوس الفساد والاستبداد الذي قضى على مؤسسات الدولة، وهو فساد أسست له جماعة “الإخوان المسلمين” على مدى عقود طوال؛ ذبل بعض الشيء عقب اقتلاع رأس نظامهم، ثم سرعان ما استطال واستبد واستشرى، وعمَّ كل المحليات والمؤسسات، والبادية والحضر.
​تتشابك حبال الفساد وتتقاطع لتصل إلى كل بقعة في بلاد الله المنكوبة. وفي هذه العُجالة، نبتدئ بـ “رأس السمكة الفاسد”؛ حيث اقتلعت واقتطعت عضو مجلس السيادة، سلمى عبد الجبار، قطعة أرض في قلب الخرطوم كان قد جرى تخصيصها “وقفاً” باسم والدها عبد الجبار المبارك، وفشلت محاولة رفض الأمر السيادي، وانتهى الأمر بإقالة مسؤول الأراضي الذي رفض تكملة إجراءات اقتطاع القطعة.
​وكان من اللافت للتساؤل تعيين لجنة برئاسة عضو مجلس السيادة، الفريق إبراهيم جابر، لإعادة إعمار الخرطوم -أو شيء من هذا القبيل- من قِبل الجنرال البرهان، رغم وجود جهاز تنفيذي يعلم الكل أنه مجرد “خيال مآتة”، وأن من يرأسه “أراجوز” مهرج يتلاعب به الجنرال و”كيزانه” ذات اليسار وذات اليمين. وسرعان ما طفت الخلافات إثر عقد إعادة تأهيل “جسر الحلفايا” بمبلغ 11 مليون دولار دون عطاء أو مناقصة، بل وذهبت تسريبات إلى تبعية شركة “إبراهيم بله” -التي آل إليها العقد- إلى تنظيم “داعش” الإرهابي.
​غير أن الفريق إبراهيم جابر، الصامت كثيراً، سارع بالحديث كاشفاً عن فساد في تعاقدات لإيجار مبانٍ للوزارات وبعض القيادات بمبالغ دولارية. ومن هنا وهناك، يتقاذف الجميع في معسكر “حرب كرامة الكيزان” كرة الفساد الملتهبة في مشهد عبثي، يدل على أنه لا يوجد أحد لم تمتد يده إلى “ماعون الكرامة” المستباح.
​إبان عهد نظام “الإسلامويين”، تمت مأسسة الفساد حتى أضحى هو الأصل في العمل والفعل والنوايا، وما سواه “كفر” يخرج صاحبه عن مؤسسات الدولة. ومع عودتهم إلى السلطة متسلقين جدار “حرب الكرامة” المزعومة، تنوعت أساليب الفساد وتعددت؛ فبلغت الشهادات الجامعية في “جامعة الخرطوم” -وهي الأفضل والأكبر- ولولا أن صدع أمين الشؤون العلمية بالجامعة بالحق، كاشفاً عما جرى، لطواه النسيان رغم المخاطر الجمة.
​أما فساد الجهاز القضائي فهو من نافلة القول، رغم أنه الأسوأ والأخطر في درجات الفساد؛ فلا عجب أن يوزع قضاة “الكيزان” أحكام الإعدام والسجن المؤبد ضد كل من يخالفهم الأمر، بل وبلغت الردة صدور حكمين بقتل سيدتين “رجماً”، وهو حكم لم ينزل الله به من سلطان، لتظهر المفارقة في توجيه الجنرال البرهان بتعديل الحكم؛ فلا سلطة قضائية، ولا عدلية، ولا هم يحزنون.
​لا شك في أن “دابة الفساد” قد أتت على “منسأة السودان”، فأضحى وشيك السقوط في غيابة التشظي والزوال، في ظل تفخيخ أجزاء البلاد بالمليشيات والسلاح والفتن العنصرية. ولئن كان سقوط سليمان مؤذناً بانعتاق الجن من العذاب المهين، فإن سقوط السودان مؤذن بإطلاق يد الإرهابيين من كل صوب، وبخراب يشمل المنطقة ويصل البعيد قبل القريب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.