سقوط خطاب المظلومية: نهاية أسطورة البراءة السياسية لنظام الكيزان

الصادق حمدين

عندما أثير الجدل حول مستقبل حزب المؤتمر الوطني الواجهة السياسية للحركة الإسلامية، ارتفعت أصوات ميزتها الغفلة والسذاجة اكثر من الكياسة والفطنة تدعو إلى منح منسوبيه فرصة جديدة لممارسة نشاطهم السياسي بعد عشرة سنوات، انطلاقاً من مبدأ أن الديمقراطية لا ينبغي أن تحرم أي طرف من حقه في العمل السياسي ما لم تثبت بحقه جرائم تحظر نشاطه. غير أن هذا الطرح يغفل طبيعة الأحزاب العقائدية التي تقوم في جوهرها على احتكار الحقيقة وادعاء امتلاكها الكامل، وهو ما يجعلها بطبيعتها غير مستعدة للتعايش أو الشراكة الحقيقية مع الآخرين. وهنا يكمن موضع الخطورة؛ فمثل هذه الأحزاب لا تراجع نفسها إلا تحت ضغط حاسم يضع حدا لهيمنتها، ثم لا تلبث أن تتحول إلى تجربة تُدرج في صفحات التاريخ، إلى جانب غيرها من التجارب التي ارتبطت بإخفاقات حقوقية جسيمة.

لم يكن التاريخ يوماً رحيماً مع الأحزاب التي تحولت إلى أدوات قتل ونهب وتدمير شامل، ولم تعرف البشرية حالة واحدة سمحت فيها بعودة حزب ارتبط اسمه بالإبادة الجماعية ثم نجت من تكرار الكارثة. لذلك فإن محاولة تصوير النقاش حول حظر حزب المؤتمر الوطني الكيزاني، الذي قادته الحركة الإسلامية، بوصفه إقصاءً سياسياً أو اعتداءً على الديمقراطية، ليست سوى تزوير فجّ للوقائع وقفز متعمد فوق دماء الضحايا الأحياء منهم والأموات، وخراب ودمار الدولة.

حين سقط هتلر، لم يتم طرح السؤال الساذج من نوع: هل من حق الحزب النازي ورموزه العودة للعمل السياسي؟ لأن الإجابة كانت محسومة أخلاقياً قبل أن تكون دستورية وقانونية. الحزب النازي لم يكن مجرد تنظيم سياسي، بل ماكينة إبادة، وعقيدة كراهية ومستنقع عنصرية، ومشروعاً لإلغاء الإنسان. لذلك جرى اجتثاثه، وتجريم رموزه، وتجفيف منابعه، لأن بقاءه كان يعني أن الجريمة ما زالت قابلة للتكرار. الأمر ذاته ينطبق على الفاشية في إيطاليا وحزبها الوطني الفاشي، الذي أُخرج من التاريخ بقوة القانون، وعلى الحزب الشيوعي الروماني الذي دُفن مع تشاوشيسكو وزوجته، وعلى أحزاب الطغاة في إفريقيا التي تلاشت لأنها لم تكن سوى ظلال للديكتاتور.

أكثر ما يثير السخرية والغضب في آن واحد، ليس فقط مطالبة حزب المؤتمر الوطني بالعودة إلى العمل السياسي بعد كل ما ارتكبه، بل محاولته الاحتماء بخطاب “المظلومية الإسلامية”، وكأن الضحية في السودان كانت الحركة الإسلامية لا الشعب، وكأن الجلاد هو من يستحق التعاطف لا من دُفنوا في المقابر الجماعية. هذا الخطاب ليس بريئاً، ولا جديداً، بل هو آخر ما تبقى من ترسانة الخداع التي استخدمتها الحركة الإسلامية طويلاً لتبرير الاستبداد والقهر والطغيان، وتغليف الجريمة بعبارات دينية رخيصة.

ويمكن القول إن ذروة أفعال هذا الحزب الكارثية تجسدت في إشعاله حرب أبريل المشؤومة سعياً لاستعادة كرسي الحكم، غير آبه بما جرّته تلك المغامرة الدموية من دمار طال البلاد أرضاً وإنساناً. فقد أُحرِق الوطن بنيران صراع كان يمكن تفاديه، ودفِع الشعب ثمناً باهظاً نتيجة حسابات سياسية ضيقة قدّمت السلطة على المصلحة الوطنية. وإن كانت هذه الجريمة وحدها لا تختصر مجمل جرائمه، فهي تكفي في ميزان المسؤولية الجنائية والسياسية والأخلاقية لتبرير إبعاده عن المشهد العام، ومنع حزب المؤتمر الوطني من ممارسة العمل السياسي مستقبلًا، صوناً للوطن وحماية لتجربته من تكرار مثل هذه المآسي.

حين نطالب بحظر حزب المؤتمر الوطني وتصنيف رموزه كجماعة ارهابية، لا يخرج علينا أنصاره بلغة الاعتذار أو المراجعة أو الاعتراف، بل بلغة الشكوى: الإسلام مستهدف، المشروع الحضاري مُحارب، الكيزان مُقصون ومهمشون. وهي مفارقة أخلاقية فجة، لأن هذا الحزب لم يُحارب بسبب تدينه، بل بسبب تاريخه الدموي والفسادي. لم يُطالب أحد بحظره لأنه يرفع شعارات إسلامية، بل لأنه حوّل الدولة إلى أداة قمع، والدين إلى سلاح، والوطن إلى غنيمة.

التاريخ لا يعرف شيئًا اسمه “مظلومية نازية” أو “مظلومية فاشية”، ولم يُسمح لهتلر أو موسوليني أو تشاوشيسكو بالادعاء أنهم ضحايا لأن أحزابهم حُظرت. وحدها الحركات الإسلاموية، حين تسقط، تُتقن لعب دور الضحية، والبكائيات متناسية أنها جلست لعقود على صدر الشعوب وسامته صنوف من الويل والثبور وعظائم الأمور. في السودان، تتباكى الحركة الإسلامية اليوم على الديمقراطية، وهي التي اغتصبتها بانقلاب، وتتحدث عن الحريات، وهي التي ملأت بيوت الأشباح والسجون والمقابر، وتدّعي الدفاع عن الدين، وهي التي شوّهته وربطته بالقتل والفساد.

إن خطاب المظلومية هذا ليس مجرد كذب سياسي، بل تهديد مباشر للوعي العام، لأنه يسعى إلى قلب المعادلة: تحويل الجناة إلى ضحايا، والضحايا إلى متهمين مارقين يجب عقابهم، والثورة إلى جريمة، والاستبداد الفساد إلى “تجربة اجتهادية” تمت معالجتها بفقه التحلل والواسطة والمحسوبية. وهو الخطاب ذاته الذي يُراد له أن يفتح الباب لعودة حزب المؤتمر الوطني من النافذة بعد أن طُرد من الباب، لا لأنه غيّر جلده، بل لأنه يراهن على النسيان، والتعب، وضعف الذاكرة والهروب من المحاسبة.

الحقيقة التي يحاول هذا الخطاب طمسها هي أن حزب المؤتمر الوطني لم يكن حزباً إسلامياً بالمعنى الأخلاقي أو القيمي، بل تنظيم سلطة استخدم الإسلام كغطاء. لم يحكم بالشورى، بل بالأمن. لم يحفظ المال العام، بل نهبه. لم يصن الدماء، بل أراقها. وكل من يحاول اليوم الدفاع عنه باسم الإسلام، لا يدافع عن الدين، بل عن تجربة سياسية فاشلة ومجرمة أذاقت الشعب السوداني الأمرين.

إن حظر حزب المؤتمر الوطني ليس استهدافًا للإسلام، بل تحرير له من خاطفيه. وليس إقصاءً سياسياً، بل حداً أدنى من العدالة. وهو أيضاً رسالة واضحة بأن الدين لن يكون بعد اليوم بطاقة حصانة ضد المساءلة، ولا مظلة للهروب من التاريخ. فالديمقراطية لا يمكن أن تتعايش مع حزب لم يعترف بجرائمه، ولم يعتذر عنها، ولم يفكك أيديولوجيته، بل ما زال يرى نفسه ضحية لأنه خسر السلطة.

السودان لا يحتاج إلى مصالحة مع جلاديه، ولا إلى إعادة تدوير خطاب “نحن المظلومون”، بل إلى قطيعة واضحة مع تجربة جعلت من الدولة مزرعة، ومن الدين أداة، ومن السياسة حرباً على المجتمع. حظر حزب المؤتمر الوطني ليس قراراً متطرفاً، بل أقل ما يمكن فعله في حق بلد دُمر باسم الله، وسُرق باسم الشريعة، وقُتل أبناؤه باسم مشروع لم يكن يوماً سوى مشروع سلطة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.