“أم رسوم” هذه، قرية صغيرة بحجم راحة اليد.
على ثراها تبعثرت، أمس الأربعاء، أجساد صائمين وقُصَّر، لم يمهلهم الطيران الغادر حتى يذهب ظمؤهم وتبتل عروقهم، التي فجرها وأسال دمها، هي ذاتها، بالقرب من مورد مياه.
سكانها ليسوا بحاجة لجمع رأس وذراعين وساقين، كي يتعرفوا على من قضى ومن تخطاه غول الموت التركي المتربص الرابض على أرض مصر، بسفح جبل العوينات.
في مثل هذه القرى، سهل جداً اكتشاف من قضى نحبه، إنساناً كان أو حيواناً، سقط قتيلًا.
عموماً، هي واحدة من القرى الصغيرة التي تعرف بحواضن الدعم السريع في غرب كردفان، تلقت في نهار رمضان ضربة جوية مبرحة، تجاوزت في رعونتها كل صور الانتقام.
إذ إن من يطال بسلاحه الجوي حتى أليف الحيوان، يتعدى بإنتقامه قواعد الحروب، وكل نوازع الانتقام.
حيث بدا كأن هذا الجلاد الجوي المتوحش لا يفرق في انتقامه الأعمى بين بشر ودابة، بين حامل قربة ماء، وحامل بندقية، بل هو قادر حتى على أن يحول بين طفل رضيع وثدي أمه إلى الأبد.
انطلق خيالي فتصورت محضر استجواب افتراضي لأرواح من قضوا “بدونكي” هذه القرية، تقول فيه امرأة من اللواتي قضين: “كنت أريد هدنة عابرة لخمس دقائق فقط، من أجل الحصول على حفنة ماء أجرح بها صيامي في يومي الأول من رمضان، الذي قُطع أو انقطع فجأة على صوت دوي هائل، نقلني إلى هنا.”
وكذلك من الذين نجوا من الموت بأعجوبة، كأني قد سمعت من يقول: “لم يعد لي من مطلب شخصي سوى العثور على بئر في هذه الأرض، سماؤها آمنة.”
بيد أن الموت الذي يأتينا الآن بكل سلاحه الجوي، تركيًا ومصريًا، بطيار أو بدونه، أو بسلاحه الكيماوي المخردل فوري الإبادة، يظل هو الموت نفسه، مهما تنوعت مصادره أو تعددت أسبابه.
فقد قفز عصفوران مذعوران على فنن بمكان الانفجار، بلغ ظني أنهما قد شقشقا بلغة الطير، حزنًا على هذا الجنون الذي أودى بحياة حُمر مستأنسة لا شأن لها بالحرب، ولا بتهمة التعاون مع الدعم السريع.
تقول رواية: إن الجيش السوداني قد استهدف مدنيين، بينهم نساء وأطفال أبرياء، في أول يوم من أيام رمضان، بقصفه لمصدر مياه في قرية أم رسوم غربي كردفان.
فيما يقول مقياس رسم تاريخي قديم: إن المسافة بين “جبل العوينات” منطلق الحمم، وقرية “أم رسوم” ضحيتها، تقدر بنحو واحد وسبعين عامًا، بدأت يوم أن أعلن السودانيون استقلالهم من داخل البرلمان سنة (1955)، ورفض نوابهم جائزة الاتحاد مع مصر، التي كانوا خاضعين لتاج ملكها الاستعماري “فاروق” قبل ثورة (1952).
علي أية حال، فقد أضحي لكل حاكم مصري منذ ذلك اليوم حصة في دمنا، يحصدها ولا يسأل بالطبع، اين؟ ومتي؟ وكيف؟ يهرقها أني شاء؟.
في الجزيرة أبا، أو في جبل موية، أو في كرنوي وأمبرو.
او حتي قبل أن يذهبوا اليوم “لخم رماد” ماقبل رمضان، بقصف ممنهج طال مناطق سودري والسنوط، أودي بحياة أكثر من خمسين مدنياً، بينهم ما لا يقل عن (15) طفلاً، (28) منهم قضوا الثلاثاء بسوق الصفية بمنطقة سودري.
فضلا عن (26) آخرين ارتقوا في غارة أمس علي قرية أم رسوم.
تري هل إن اقتراح الدارفوري “دبكة” الذي ثناه الكردفاني “سهل”، قد صار هو الخيط الذي أحال إلى يومنا هذا، حتى “زينب” صبية التاسعة في قرية أم رسوم، إلى كومة لحم ترقد في سكون قرب جثة حمارها الأشقر؟.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.