النفط في قفص الاتهام: قادة «لوندين» يواجهون العدالة عن جرائم السودان حتى 2003
تقرير: عين الحقيقة
تتجه أنظار الأوساط الحقوقية والإعلامية الدولية إلى العاصمة السويدية ستوكهولم، حيث يمثل عدد من كبار قادة مجموعة «لوندين» السويدية للطاقة أمام القضاء، على خلفية اتهامات خطيرة بالتواطؤ في جرائم حرب ارتكبها نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير خلال الفترة من 1999 إلى 2003.
وتُعد هذه القضية من أضخم المحاكمات الجنائية في تاريخ السويد، إذ تفتح نقاشًا قانونيًا وأخلاقيًا غير مسبوق حول مسؤولية الشركات العابرة للحدود عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مناطق النزاعات المسلحة، وإمكانية مساءلتها أمام القضاء الوطني.
وتعود وقائع القضية إلى أنشطة شركة «لوندين» في منطقة المربع النفطي (5A) بجنوب السودان، حيث حصلت الشركة على امتيازات للتنقيب عن النفط في ذروة الحرب الأهلية السودانية.
وبحسب لائحة الاتهام، ارتبط تأمين هذه الامتيازات بتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في المنطقة، بما وفّر الحماية لعمليات الشركة.
ويشير الادعاء إلى أن هذا التوسع العسكري قاد إلى حملات عنف ممنهجة ضد المدنيين، شملت إخلاء القرى قسرًا لإفساح المجال أمام إنشاء البنية التحتية النفطية وخطوط النقل.
وتفيد التقارير والشهادات المقدمة للمحكمة بوقوع قصف جوي، وحرق قرى، وعمليات قتل واغتصاب، وتهجير قسري واسع النطاق بحق السكان المحليين. ويؤكد الادعاء السويدي أن قيادات الشركة، وعلى رأسهم إيان لوندين وأليكس شنايتر، كانوا على علم بأن التعاون مع القوات الحكومية السودانية سيقود حتمًا إلى هذه الانتهاكات. ورغم ذلك، استمرت الأنشطة النفطية- بحسب ملف القضية- بهدف ضمان الإنتاج وتحقيق الأرباح في سياق نزاع دموي.
ولعبت منظمات حقوقية دولية وسودانية دورًا محوريًا في إيصال القضية إلى أروقة القضاء السويدي.
وقادت منظمة «باكس» الهولندية الجهد الرئيسي عبر تقريرها الشهير «الدَّين غير المدفوع» الصادر عام 2010، والذي وثّق مقتل نحو 12 ألف شخص ونزوح أكثر من 160 ألفًا نتيجة العمليات المرتبطة بالنفط. كما كشفت منظمة «كريستيان آيد» في تقرير «الأرض المحروقة» عن استخدام الطرق والمرافق المرتبطة بالشركة في تنفيذ عمليات عسكرية.
وأسهمت منظمات مجتمع مدني سودانية وكنائس محلية في جمع شهادات الناجين من داخل مناطق النزاع، بينما لعبت «Swedwatch» و«هيومن رايتس ووتش» دورًا بارزًا في تفنيد رواية الشركة ووضع القضية ضمن إطار الجرائم ضد الإنسانية.
وتعتمد قضية «لوندين» أمام القضاء السويدي على أكثر من 80 ألف صفحة من الأدلة والشهادات. وتطالب النيابة العامة بإنزال عقوبة السجن مدى الحياة على المتهمين، إلى جانب مصادرة أرباح تتجاوز 2.4 مليار كرونة سويدية. ومع اقتراب موعد الحكم، يُنظر إلى هذه المحاكمة باعتبارها سابقة قانونية فارقة قد تعيد رسم حدود مساءلة الشركات العالمية عن أفعالها في مناطق النزاع، كما تمثل- بالنسبة لضحايا السودان- خطوة متأخرة لكنها مفصلية نحو الاعتراف القضائي بما تعرضوا له من انتهاكات جسيمة.
وفي ضوء ذلك، تؤكد مصادر قضائية وإعلامية دولية أن قضية محاكمة قادة شركة «لوندين» السويدية أمام القضاء في ستوكهولم قضية حقيقية وموثقة، وليست ادعاءات إعلامية أو حقوقية غير مستندة إلى وقائع.
فقد أعلنت النيابة العامة السويدية رسميًا توجيه اتهامات بالتواطؤ في جرائم حرب ارتُكبت في السودان خلال الفترة من 1999 إلى 2003 بحق اثنين من كبار مسؤولي الشركة، على خلفية أنشطتها النفطية في جنوب السودان آنذاك.
وحظيت القضية بتغطية واسعة من وسائل إعلام دولية بارزة، شملت وكالات أنباء وصحفًا أوروبية، إلى جانب منصات متخصصة في شؤون العدالة الدولية وحقوق الإنسان.
كما استند ملف الاتهام إلى تقارير موثقة صادرة عن منظمات حقوقية معروفة، أبرزها منظمة «باكس» الهولندية، التي وثّقت في تقريرها الشهير «الدَّين غير المدفوع» حجم الانتهاكات المرتبطة بعمليات النفط، إضافة إلى تقارير صادرة عن «كريستيان آيد»، و«Swedwatch»، و«هيومن رايتس ووتش».
وتُعد هذه المحاكمة واحدة من أكبر القضايا الجنائية في تاريخ السويد من حيث حجم الأدلة وعدد الصفحات، كما تُصنَّف قانونيًا باعتبارها سابقة مهمة في مسار مساءلة الشركات متعددة الجنسيات عن دورها في النزاعات المسلحة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.