ذيل الأيديولوجيات: السودان في قلب التحول العالمي الكبير

ميرغني أبشر

بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومع انكشاف القوى التي وقفت خلف اندلاعهما أو غذّت استمرارهما، خلصت عقلية النظام الدولي الناشىء وقتها، و نخبه الاقتصادية الكبرى، إلى قناعة مفصلية مفادها أن التهديد الحقيقي للسلم العالمي لا ينبع من صراع الموارد بقدر ما يتجسد في الأيديولوجيا، وفي الفكر القومي والعقائدي حين يتحول إلى مشروع للسلطة. ومنذ ذلك الحين، أصبح تفكيك هذه المشاريع هدفاً مركزياً للنظام الدولي الناشئ.
في هذا السياق يمكن فهم تفكك الاتحاد السوفيتي بوصفه إعلاناً لنهاية الماركسية كأيديولوجيا حاكمة، لا مجرد انهيار اقتصادي ينسب فقط للتطبيفات الانحرافية للينينية الماركسية. ثم تراجع الاشتراكية في أقاليم واسعة من العالم، قبل أن يلحق بها سقوط القومية العربية ممثلة في أنظمة البعث في العراق وسوريا. واليوم، تتجه البوصلة نحو المعقل الأخير للأيديولوجيات المُسيَّسة: الإسلام السياسي، عبر استهداف أدواته المسلحة والتنظيمية من القاعدة وداعش، وحماس إلى حزب الله، وصولاً إلى الحصار المتصاعد للنظام الإيراني، تمهيداً لإسقاطه، وإغلاق ملف جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها الصيغة الأكثر انتشاراً لهذا التيار.
ما لم تُدركه جماعة الإخوان المسلمين في السودان، وحزبها السياسي المتمثل في المؤتمر الوطني، خلال حربهم ضد القوى المدنية، هو أن مشروعهم ذاته لم يعد سوى بقايا متأخرة من ذيل الأيديولوجيات التي قرر النظام العالمي تفكيكها بلا تردد. فالإسلام السياسي، في صيغته السلطوية، لا يواجه أزمة محلية أو خصومة داخلية، إنما يقف في مواجهة مسار دولي طويل نجح، خلال قرن واحد، في تفكيك أعنف العقائد السياسية: من النازية والفاشية، مروراً بالماركسية والقومية العروبية، وليس انتهاءً بالإسلام السياسي.
ضمن هذا التحول، لم تعد الأمم المتحدة سوى واجهة رمزية لنظام عالمي قديم كان يقوم على توازن هش بين الليبرالية الغربية والأنظمة العقائدية. هذا التوازن تصدّع، ثم انهار فعلياً مع صعود الليبرالية الديمقراطية الرأسمالية بوصفها النموذج المهيمن، وهو ما عبّر عنه بوضوح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في خطابه أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حين أشار إلى أن «النظام العالمي القائم على القواعد، والذي تقوده الولايات المتحدة، يعاني من تصدّع».
غير أن ما تلا ذلك الخطاب كان أكثر دلالة. إذ سحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعوة كندا للانضمام إلى مبادرة «مجلس السلام» التي أطلقها لحل النزاعات العالمية، موجّهاً رسالة مباشرة إلى كارني عبر منصة «تروث سوشال» أعلن فيها أن المجلس يسحب دعوته لكندا للانضمام إلى ما وصفه بأنه «مجلس القادة الأرفع مقاماً على الإطلاق». ولم يكن هذا الموقف معزولاً عن رد كارني السابق على ادعاء ترامب في دافوس بأن «كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة»، حيث قال بوضوح: «كندا لا تعيش بفضل الولايات المتحدة، كندا تزدهر لأننا كنديون»، مع إقراره بالشراكة بين البلدين.
هذه السجالات، في جوهرها، لا تعكس خلافاً ثنائياً بقدر ما تمثل نعياً صريحاً للنظام العالمي القديم، وواجهة الأمم المتحدة التي قادتها لعقود الولايات المتحدة “الديمقراطية”. فمنذ صعود الجمهوريين الجدد، بدءاً من جورج بوش الأب، جرى العمل على تفكيك ذلك النظام بهدوء، قبل أن يُعلن دفنه عملياً مع النسخة الأشد صراحة واندفاعاً التي يمثلها دونالد ترامب، عبر مشروع «مجلس السلام العالمي» والذي كان يعمل قبلاً خارج الأطر التقليدية، وبأدواته الخاصة، ورجاله من المحافظين والإنجيليين الجدد، على تفكيك دول الأيديولوجيا والقوميات العقائدية، إلى أن دشنه ترامب علانية.
من هذا المنظور، لا يبدو النظام المدعوم بالإسلام السياسي في السودان حالة استثنائية، فهو حلقة في سلسلة آيلة للسقوط. وكذلك الحال بالنسبة لمصر ذات الحكم العسكري، وإيران الثيوقراطية، وتركيا الأردوغانية، التي تبدو جميعها، بدرجات متفاوتة، مهددة بالاضمحلال السياسي أمام موجة إعادة الهندسة العالمية التي لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف البُنى العقائدية المغلقة.

الخلاصة التي يتجاهلها الإسلام السياسي في السودان واضحة: العالم الذي أتاح له الصعود قد انتهى، والنظام الدولي الجديد لا يمنح مكاناً للمشاريع الأيديولوجية الشمولية. وما لم يكن الانتقال طوعياً، فإن الخروج سيكون قسرياً، وبكلفة أعلى، في لحظة لم يعد فيها التاريخ يعيد نفسه، فهو يتجه وبخطوات متسارعة ليغلق فصوله بلا رجعة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.