في اللحظة التي تظن فيها قوى الاستبداد أن صوت الحقيقة قد خفت تحت دويّ المدافع، يأتي النبأ من أروقة اليونسكو ليعيد صياغة المشهد؛ فوز نقابة الصحفيين السودانيين بجائزة «غييرمو كانو» العالمية لحرية الصحافة لعام 2026 ليس مجرد درع يُوضع في خزانة، بل هو «صك اعتراف» دولي ببطولة جيل كامل من الصحفيين السودانيين الذين قرروا أن تكون الحقيقة ساترهم الأخير.
يأتي هذا التتويج في توقيت سوداني عصيب، حيث لم تعد البيئة المهنية «صعبة» فحسب، بل أصبحت «مميتة». ففي ظل انهيار مؤسسات الدولة وتحول المدن إلى ساحات حرب مفتوحة، يجد الصحفي السوداني نفسه وحيدًا في مواجهة منظومة ضغط ممنهجة؛ تبدأ بالنزوح القسري الذي يشتت شمل المؤسسات، وتمر بانقطاع متعمد للاتصالات يعزل الضحايا عن العالم، ولا تنتهي عند التهديد المباشر بالتصفية والاعتقال.
إننا في «عين الحقيقة» نرى أن أهمية هذه الجائزة تكمن في كونها رسالة أخلاقية وقانونية بالغة الدلالة. ففي غياب الرقابة الرسمية، تحوّل الصحفيون إلى «كتّاب التاريخ» وموثّقي الانتهاكات. ولولا هؤلاء الشجعان، لضاعت حقوق الآلاف تحت أنقاض البيوت المدمرة، ولأفلت الجناة من عدالة التاريخ قبل عدالة المحاكم. إن العمل الصحفي اليوم في السودان ليس ترفًا مهنيًا، بل هو جزء أصيل من أي مسار مستقبلي للعدالة الانتقالية والمساءلة.
غير أنه لا يمكن الاحتفاء بانتصار «الكلمة» بينما «أصحاب الكلمة» خلف القضبان. ففرحتنا بهذا الاستحقاق الدولي تظل منقوصة ومريرة ما دام هناك رفاق لنا يقبعون في معتقلات سرية وعلنية، لا لشيء سوى أنهم انحازوا إلى ضمائرهم. إن قضية الصحفيين المعتقلين والمفقودين تمثل الاختبار الحقيقي لضمير المجتمع الدولي الذي منح هذه الجائزة؛ فلا معنى لتكريم النقابة بينما يتعرض أعضاؤها لانتهاكات جسيمة في غياهب السجون.
وعليه، نطالب بأعلى صوت بضرورة توفير الحماية للمدنيين من الصحفيين وفقًا للقانون الدولي الإنساني. فاستهداف الصحفي هو استهداف لـ«عين المجتمع»، ومحاولة بائسة لطمس الحقيقة كي تُرتكب الجرائم في صمت. كما نبعث برسالة تضامن عميقة إلى كل زميل خلف القضبان: «إن قيودكم هي التي حررت هذه الجائزة من صمتها، وصمودكم هو الذي جعل العالم يلتفت إلى عدالة قضيتنا».
ختامًا، نبارك لنقابة الصحفيين السودانيين هذا الفوز التاريخي، ونؤكد أن «عين الحقيقة» ستظل على العهد؛ حارسةً للذاكرة، وفيةً للمعتقلين، ومدافعةً عن قدسية الحقيقة. فالمعركة اليوم ليست بين سلطة ومعارضة، بل بين «الحقيقة» و«الزيف»، وبين «الذاكرة» و«النسيان». وهذا الفوز يثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الحقيقة في السودان، رغم جراحها، لا تزال تملك القدرة على الكلام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.