(باركوها هسة).. قبل أن تبتلع الخرطوم ما تبقّى من تماسكنا..

نورا عثمان

ما يحدث عندنا في السودان لا يبدو مجرد حرب أو صراع سياسي، لم تعد الحرب مجرد خبرٍ يتكرر في نشرات المساء، بل صارت قدراً يومياً يكتب تفاصيله الناس بالدم والخوف والانتظار. مدن تُمحى ببطء، وأحياء تتحول إلى أطلال، وأصوات الأمهات أعلى من أي خطاب سياسي. ولهذا، لم يعد السؤال: من ينتصر؟ بل: من يوقف هذا الجنون؟

باركوها.. كلمة بسيطة، لكنها تحمل كل ما تبقّى من رجاء. أوقفوا الحرب، قبل أن تتحول الخرطوم—القلب الذي كان ينبض بالحياة—إلى مساحة فارغة لا يسكنها إلا الصمت والركام. الخرطوم اليوم ليست مجرد ساحة قتال، بل مدينة على حافة الانفجار الكامل. بنية تحتية منهارة، خدمات شبه معدومة، جوع يطرق الأبواب، وخوف يسكن الوجوه. كل يوم تأخير في وقف الحرب يعني اقتراب لحظة لا يمكن بعدها السيطرة على شيء: انفلات أمني شامل، انهيار ما تبقّى من الدولة، وتحول العاصمة إلى بؤرة فوضى مفتوحة.

هل ينتظر المتحاربون هذه اللحظة؟
هل يريدون أن يروا الخرطوم تحترق بالكامل حتى يقتنعوا أن الحرب ليست حلاً؟

إن الذين يدفعون الثمن ليسوا الجنرالات، ولا السياسيين، بل الناس العاديون: طفل يبحث عن ماء، أم تخبئ أبناءها من القذائف، شيخ فقد منزله ولا يعرف إلى أين يذهب. هؤلاء لا يعنيهم من يحكم، بقدر ما يعنيهم أن يعيشوا. الحرب لم تحقق نصراً حاسماً، ولن تفعل. ما حققته فقط هو تمزيق المجتمع، وتدمير الاقتصاد، وفتح أبواب الجحيم على ملايين السودانيين. الاستمرار فيها ليس شجاعة، بل هروب من الاعتراف بالفشل.

باركوها، لأن البديل أسوأ.
ليس هناك قاع لهذه المأساة، وكل يوم جديد يثبت أن الانحدار ممكن أكثر. وإذا انفجرت الخرطوم بالكامل، فلن يكون هناك مركز للدولة يمكن إنقاذه، ولن تكون هناك سلطة قادرة على إعادة ترتيب الفوضى. إن وقف الحرب اليوم ليس تنازلاً، بل شجاعة. ليس هزيمة، بل إنقاذ لما يمكن إنقاذه.

السودان لا يحتاج إلى منتصر، بل إلى ناجٍ. والناجون هم من يختارون الحياة حين يصبح الموت هو الخيار الأسهل. باركوها… قبل أن نصحو على وطن لا نعرفه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.