تجنيد «الكيزان» الإجباري.. إرث دموي وذاكرة وطنية جريحة

تقرير– عين الحقيقة

 

شهد السودان خلال فترة حكم الجبهة الإسلامية القومية المعروفة بـ الكيزان والتي بدأت بانقلاب عام 1989 حقبة مظلمة من الصراع الداخلي خاصة في جنوب البلاد فمع تصاعد وتيرة الحرب الأهلية لجأ النظام إلى سياسات تجنيد قسرية وغير إنسانية لرفد جبهات القتال تحت شعارات دينية وسياسية تاركاً وراءه ندوباً عميقة في الذاكرة الوطنية السودانية

التجنيد الإلزامي بين القانون والممارسة القسرية

كانت سياسة التجنيد الإلزامي التي فرضها نظام الكيزان تستهدف الشباب السوداني بشكل ممنهج مستغلاً قانون الخدمة الوطنية الإلزامية كغطاء شرعي لممارسات قسرية فبدلاً من أن تكون الخدمة الوطنية واجباً وطنياً طوعياً تحولت إلى أداة لزج الآلاف من الشباب بمن فيهم طلاب المدارس الثانوية والجامعات إلى أتون الحرب وقد ربط النظام الحصول على الشهادة الثانوية أو الالتحاق بالجامعات بضرورة قضاء فترة في معسكرات الدفاع الشعبي وهي معسكرات تدريب عسكرية كانت تفتقر لأدنى معايير السلامة والتدريب العسكري الحقيقي وكانت أشبه ما تكون بمعسكرات إعداد للموت

هذا الربط بين التعليم والتجنيد الإجباري كان يمثل ضغطاً هائلاً على الأسر التي كانت تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مر إما إرسال أبنائها إلى المجهول في جبهات القتال أو حرمانهم من حقهم في التعليم ومستقبل أفضل

الكشات مشاهد الخوف اليومية في الشارع السوداني

من أبرز الممارسات التي طبعت تلك الفترة هي حملات الكشات وهي عمليات اعتقال عشوائية ومنظمة للشباب من الشوارع والأسواق والمواصلات العامة كان الشباب يساقون قسراً على متن مركبات عسكرية في مشاهد مأساوية لا تزال عالقة في أذهان الكثيرين وكانت الأمهات يصرخن ويستجدين الجنود لإطلاق سراح أبنائهن لكن دون جدوى

هذه المشاهد كانت تتكرر يومياً محولة حياة الأسر السودانية إلى كابوس من الخوف والقلق على مصير أبنائهم ولم تكن هذه الحملات تفرق بين طالب وعامل أو بين من لديه عائلة تعتمد عليه ومن هو أعزب بل كانت تستهدف الشباب بشكل عام مما أدى إلى حالة من الرعب والهلع في المدن والقرى السودانية

جراح لا تندمل

الآثار الإنسانية لهذه السياسات كانت كارثية ومتعددة الأوجه فقد فقدت آلاف الأسر السودانية فلاذات أكبادها إما بالموت في جبهات القتال التي لم يكونوا مؤهلين لها أو بالاختفاء القسري الذي لا يزال مصير الكثيرين منهم مجهولاً حتى اليوم

تحولت البيوت إلى مآتم دائمة وعاشت الأمهات والآباء سنوات طويلة من الانتظار المرير على أمل عودة أبنائهم الذين ذهبوا ولم يعودوا ولم تقتصر المعاناة على فقدان الأرواح بل امتدت لتشمل الآثار النفسية والاجتماعية العميقة على الناجين والمجتمع ككل

فالشباب الذين عادوا من الحرب إن عادوا كانوا يعانون من صدمات نفسية حادة واضطرابات ما بعد الصدمة وصعوبة في الاندماج مجدداً في الحياة المدنية كما أن هذه السياسات مزقت النسيج الاجتماعي السوداني وخلقت جيلاً كاملاً من الشباب المحروم من التعليم والمستقبل وتركته يعاني من صدمات نفسية عميقة مما أثر سلباً على التنمية البشرية والاقتصادية للبلاد

مجزرة العيلفون رمز المأساة

من أبرز الفصول المأساوية في هذه الحقبة هي مجزرة العيلفون التي وقعت في أبريل 1998 ففي هذا المعسكر الذي كان يضم الآلاف من المجندين قسراً حاول عدد من الطلاب الهروب لقضاء عطلة عيد الأضحى مع عائلاتهم لكن محاولتهم قوبلت بإطلاق نار كثيف من قبل حراس المعسكر مما أدى إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى

وقد ذكرت بعض الروايات أن العديد من الطلاب غرقوا في النيل أثناء محاولتهم الفرار وتم دفنهم في مقابر جماعية هذه المجزرة كشفت عن وحشية النظام واستخفافه بأرواح الشباب وأصبحت رمزاً للممارسات القمعية التي مورست بحق المجندين وقد أثارت هذه الحادثة غضباً شعبياً واسعاً لكن النظام قمع أي محاولات للاحتجاج أو المطالبة بالتحقيق والعدالة

 

و يظل ملف التجنيد الإلزامي القسري إبان حكم الجبهة الإسلامية في السودان نقطة سوداء في تاريخ البلاد لقد تسببت هذه السياسات في خسائر بشرية واجتماعية لا يمكن تقديرها وتركت إرثاً من الألم والمعاناة إن فهم هذه الحقبة المظلمة وتقديم العدالة للضحايا هو خطوة أساسية نحو بناء مستقبل أفضل للسودان مستقبل يحترم كرامة الإنسان ويصون حقوقه ويضمن ألا تتكرر مثل هذه المآسي أبداً

يجب أن تكون هذه الأحداث درساً للأجيال القادمة حول مخاطر الاستبداد واستغلال الدين في تحقيق أهداف سياسية وضرورة الحفاظ على قيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.