(بيان برلين تجنّب إغضاب أي طرف، حتى لو كان ذلك على حساب قوة البيان ومحتواه، مما جعله أشبه بوثيقة “إرضاء جماعي” أكثر من كونه وثيقة موقف سياسي. ودور القوى المدنية كان يجب أن يكون أكبر من مجرد المشاركة.)
طيف أول:
الطرف الثالث الذي أطلق الطلقة الأولى بين الجيش والدعم السريع هو الذي يضع البلاد الآن على شفا حفرة من النار للمرة الثانية. فبعد أن هرب المواطنون من جحيم الحرب أعادوهم، ثم أعادوا الدعم السريع، والآن يهيئون المسرح لأكثر من فصيل ولأكبر من مواجهة.
والبيان الذي صدر عن مؤتمر برلين جاء مخيباً لآمال الكثيرين من الشعب السوداني، إذ كان ينتظر أن يأتي واضحاً وغير فضفاض ويضع النقاط على حروف الازمة .
لكنه تحدّث عن “حماية المدنيين” ولم يشرح كيف، ولم يقدّم أو يتحدث عن أي آلية تنفيذية، رغم أن حماية المدنيين كانت محوراً أساسياً في مداخلات المفوض السامي والمنظمات الإنسانية والقوى المدنية السودانية. واكتفى البيان بعبارات عامة لا تغيّر شيئاً على الأرض.
كما أن المؤتمر كان واضحاً في الحديث عن الأموال وآليات إيصالها، لكن البيان تجاهل هذه النقطة تماماً، ولم يتحدث عن جدولة مبلغ “1.3 مليار دولار” ولا عن المنظمات المنوط بها الاستفادة منه، سواء في الصحة أو دعم معسكرات النازحين.
أيضاً كرّر البيان عبارة “منع تدفق السلاح من الدول الإقليمية”، وهي عبارة مستهلكة ذُكرت في كثير من المؤتمرات والتصريحات، دون أن يقدّم أي آلية حقيقية أو أدوات تنفيذية للضغط على هذه الدول. وهذا ليس صدفة، بل نتيجة حسابات سياسية دقيقة جعلت البيان يكتفي بالشعار دون الخطة.
لذلك خرج البيان وكأنه “وثيقة إرضاء جماعي” أكثر من كونه وثيقة موقف سياسي واضح. ففي فاتحته، التي زُجّ فيها بقائمة الدول الإقليمية والمنظمات والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية والأمم المتحدة… إلخ، كشف أن الممسك بالقلم تجنّب إغضاب أي طرف، حتى لو كان ذلك على حساب قوة البيان ومحتواه.
حتى عندما تحدّث عن “عملية سياسية شاملة” استخدم عبارة فضفاضة وتعمد الغموض، دون أن يحدد من هم “السياسيون” الذين يقصدهم. ترك الباب مفتوحاً لكل الأطراف، وتحاشى أن يمنح شرعية صريحة لأي طرف، ولم يضع معايير تحدد من يشارك ومن يُستبعد، وبالتالي لم يمنح القوى المدنية تفويضاً واضحاً. فكانت النتيجة عبارات دبلوماسية بلا مضمون سياسي محدد.
وبهذا فإن حديث البيان عن الثوابت المتفق عليها تلك التي لم تعد خبراً: (لا تدخل عسكري في الحرب، ضرورة الحكم المدني، إيصال المساعدات) فهذا ليس ما ينتظره الشعب، لأنها عبارات محفوظة مكررة لا تغيّر شيئاً على الأرض. فالمواطن عندما تحدثه عنها سيقول لك: متى وكيف!
لذلك فإن القوى المدنية المشاركة في المؤتمر، وعلى رأسها وفد صمود، كان يجب ألا ينتهي دورها بالمشاركة فقط. وكان سيكون دور صمود يتجاوز بيانات الترحيب و“ردّ التحايا” إلى جهد أكبر. فمنذ نهاية المؤتمر، وقبل عودة المشاركين، كان يجب أن يطالبوا بتشكيل آلية متابعة تضم عدداً من الممثلين، ومثلهم من الدول المنظمة، وممثلين من المنظمات. هذه اللجنة تكون مسؤولة عن متابعة التعهدات، وتعقد اجتماعات مستمرة، تتابع وتطالب وتقترح، حتى ينعكس ذلك على صياغة البيان.
لكن الاكتفاء بالمشاركة دون متابعة هو ما يفتح ثغرات لتأثير جهات أخرى تستغل هذا الفراغ لتضيف ماءً على الحبر، الأمر الذي يجعل البيان يخرج بهذا الشكل الخالي من القيمة السياسية.
والقارئ لسطور البيان قد يذهب إلى أن الأزمة ستستمر مع استمرار المؤتمرات السنوية، وأن العام القادم قد تُقدَّم دعوة لمؤتمر بروكسل.
لكن هناك جانباً لا يمكن إغفاله، وهو أن البيان بهذا الشكل يضع استفهاماً كبيراً: هل كان المؤتمر غطاءً لاتجاه أوروبي نحو “حلول بديلة”؟ لأن ما ظهر في البيان للعلن لا يفسّر حجم التحركات الأوروبية خلف الكواليس.
سيما أن أوروبا تشعر أن المسارات السابقة فشلت، والبيان كان أضعف من النقاشات، وهذا غالباً ما يكون علامة على وجود “ما لم يُكتب”. والأهم من ذلك أن أوروبا بدأت تتعامل مع السودان كملف أمني استراتيجي، لذلك قد يكون الحل البديل عملية سياسية تقودها أوروبا وليس دول الإقليم، أو أنها تتجه لمسار عدالة دولية موازٍ، بالإضافة إلى ضغط مباشر على الدول الإقليمية، خاصة أن أوروبا دائماً تميل إلى الدبلوماسية الهادئة.
إذن… هل أوروبا تُدير الأزمة أم تُعيد هندستها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.