في مسارات الحرب والسياسة، لا تسقط الدول فقط تحت وقع الرصاص، بل تحت ثقل الخطاب حين يفقد اتزانه، ويتحول من أداة تفسير إلى أداة تضليل. هكذا تبدو الصورة حين تتداخل الشعارات الكبرى مع الواقع الميداني المتقلب، فتتشكل حالة عامة من “فقدان البوصلة”، حيث لا يعرف الناس أين تبدأ الحقيقة وأين تنتهي الرواية.
لقد بُني الخطاب السياسي حول هذه الحرب على يقينٍ حاد: لا تفاوض، لا تسوية، ولا نهاية إلا بالحسم الكامل. قُدِّم الأمر للجمهور باعتباره معركة وجود، لا تحتمل التراجع ولا المراجعة. وفي هذا السياق، جرى تضييق المساحة على أي صوت يقول إن الحروب—مهما اشتدت—تنتهي في النهاية إلى طاولة تفاوض، كما حدث في تجارب تاريخية طويلة ومعقدة، أبرزها حرب الجنوب التي امتدت لعقود قبل أن تُحسم سياسياً.
لكن هذا الطرح لم يكن مرحبًا به في لحظته. بل واجه اتهامات وتخوينًا وتشويهًا، وصار الاختلاف في الرأي يُعامل كأنه خروج عن الصف، لا مجرد اجتهاد سياسي. وهكذا تشكلت بيئة خطابية مغلقة، تُقصي الأسئلة أكثر مما تجيب عنها.
ومع تطور الأحداث، بدأت المفارقة تتضح. الخطاب الذي كان يرفض التفاوض بشكل قاطع، وجد نفسه لاحقًا مضطرًا للتعامل مع واقع سياسي جديد، حيث عادت قنوات التفاوض والاتصال، وظهرت ترتيبات لم تكن مطروحة في البداية. لم يكن الإشكال في التحول بحد ذاته، بل في غياب المراجعة العلنية، وترك الجمهور أمام تناقضات غير مفسرة.
في قلب هذا المشهد، تتكثف الحكايات الصغيرة التي تكشف عمق الأزمة. من بين تلك القصص، ما يُروى عن بائعة شاي وجدت نفسها في موقع الاتهام بعد أن جرى التعامل معها بوصفها متعاونة مع طرف مسلح، في واقعة ارتبطت بسياق ميداني مضطرب، حيث انسحبت قوات وتركت مناطق فراغ أمني وفوضى في التقييم والاتهام. في مثل هذه اللحظات، لا يعود التحقق معيارًا أساسيًا بقدر ما تصبح الانطباعات السريعة والتعميمات هي الحاكمة، فتدفع شخصيات بسيطة ثمن ارتباك أكبر منها بكثير.
هذه القصة، سواء في تفاصيلها الدقيقة أو في رمزيتها، تعكس خللًا أعمق: كيف يتحول الإنسان البسيط إلى ضحية لتقاطع الخوف والخطاب، وكيف يمكن للحرب أن تعيد توزيع الأدوار بطريقة قاسية، لا تفرّق بين الفاعل الحقيقي ومن وجد نفسه في المكان الخطأ في اللحظة الخطأ.
وفي خضم هذا الاضطراب، يظهر “البلبوسي” بوصفه رمزًا للحيرة العامة. ليس شخصية بعينها، بل حالة ذهنية لمجتمع يتلقى رسائل متناقضة: يُطلب منه أن يصدق يقينًا حاسمًا، ثم يُطلب منه لاحقًا التكيف مع عكسه. يُدفع إلى تبني خطاب شديد الصلابة، ثم يُترك ليواجه واقعًا أكثر مرونة وتعقيدًا مما قيل له.
هكذا يتأرجح البلبوسي بين روايات متصارعة: بين حربٍ قيل إنها فاصلة لا رجعة بعدها، وواقعٍ يفرض تسويات وتفاهمات. وبين خطابٍ يرفع سقف الوعود، وواقعٍ يعيد ترتيب الممكنات على الأرض. ومع كل تحول، تتآكل الثقة تدريجيًا، ليس فقط في السياسة، بل في معنى الخطاب ذاته.
إن أخطر ما في هذه الحالة ليس التغير السياسي نفسه، بل الطريقة التي يُدار بها هذا التغير أمام الجمهور. حين يُقدَّم اليقين اليوم ثم يُستبدل غدًا دون تفسير، وحين تُرفع الشعارات ثم تُخفض بصمت، يصبح الإدراك العام في حالة ارتباك دائم، ويضيع الحد الفاصل بين الحقيقة والتبرير.
وفي النهاية، لا يبقى السؤال مجرد جدل حول مواقف أو قرارات، بل يتحول إلى سؤال أعمق وأكثر إلحاحًا:
كيف تُبنى الثقة حين تتغير الروايات دون مراجعة؟ وكيف يمكن لمجتمع أن يحدد اتجاهه، إذا كانت بوصلته نفسها محلّ تغيير مستمر؟
هكذا يستمر “فقدان البوصلة”… ويستمر معه ضياع البلبوسي في دهاليز خطابٍ لم يعد ثابتًا بما يكفي ليُفهم، ولا واضحًا بما يكفي ليُتبع.
#الثورة_مستمرة
#ثورة_ديسمبر_المجيدة
#لا_للحرب
#نعم_للسلام
#SaveSudan
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.