في السياسة، كما في الحرب، للكلمات وزنها. وبعض الكلمات تُرفع إلى مقام الرموز، فتختصر آمال الشعوب وتلخص تضحياتها. لكن حين تُستهلك بلا حساب، وتُكرر حتى الفراغ، تفقد معناها وتتحول إلى مجرد ضجيج. وهذا بالضبط ما حدث لكلمة “النصر” في خطابات عبد الفتاح البرهان.
لقد استهلك الرجل هذه المفردة إلى حد أنها لم تعد تبعث الحماسة ولا تثير الثقة، بل صارت عند كثيرين مرادفًا للتناقض بين القول والواقع. كل خطاب تقريبًا يحمل وعدًا بالنصر القريب، وكل تصريح يرسم صورة لمعركة حاسمة، بينما الوقائع على الأرض تكشف أن الحرب مستمرة، والبلاد تتشظى، والناس يدفعون الثمن من أرواحهم وأرزاقهم ومستقبلهم.
حين يعلن البرهان أنه سيواصل القتال “حتى تحرير دارفور”، فإن هذا التصريح يبدو أقرب إلى الاستهلاك المحلي منه إلى رؤية عسكرية أو سياسية متماسكة. فدارفور ليست مجرد عنوان يُرفع في الخطب، بل إقليم معقد، له جراحه التاريخية، وتوازناته الاجتماعية والسياسية، ولا يُختزل في شعار تعبوي يُقال أمام الجماهير. وليس خافيا على أحد أن العدو “المصنوع محليا” يسيطر على اكثر من ٥٠٪ من أرضه.
المفارقة أن مثل هذه التصريحات تأتي في وقت يبحث فيه النظام عن أي مشهد رمزي يمكن تسويقه باعتباره تحولًا في مسار الحرب. ومن هنا يظهر التعويل على شخصيات عائدة أو منسحبة من الطرف الآخر، وكأن مجرد عودة فرد هنا أو هناك ستُحدث انقلابًا استراتيجيًا. هذه ليست قراءة عسكرية تقف على ساقين، بل محاولة لصناعة صورة ذهنية للنصر، حتى لو غابت شروطه الحقيقية.
الرهان على الرمزية بدل الوقائع يكشف أزمة أعمق: غياب مشروع سياسي قادر على مخاطبة جذور الأزمة. فالانتصار في الحروب لا يُقاس بالخطب، ولا بتضخيم الأحداث الصغيرة، بل بقدرة القيادة على إنهاء النزاع، وحماية المدنيين، واستعادة الدولة من الانهيار.
لكن المشكلة في خطاب البرهان أنه لا يكتفي بالمبالغة، بل يبني سرديته على وعود متكررة لا تتحقق. ومع كل جولة جديدة من التصريحات، تتآكل المصداقية أكثر. فالناس لا تحاكم القائد بما يقوله، بل بما ينجزه. وإذا تكرر الوعد دون نتيجة، فإن الكلمة نفسها تتحول إلى عبء على قائلها.
هنا تصبح مفردة “النصر” كلمة فاقدة للرصيد. تُقال كثيرًا حتى تفقد أثرها. بل ربما تحمل عند السامع معنى معاكسًا، لأن التكرار المفرط دون تحقق يجعلها إشارة إلى المأزق لا إلى الحسم.
الأخطر من ذلك أن تضخيم الخطاب الحربي يخلق لدى الجمهور توقعات لا يسندها الواقع. وحين تصطدم هذه التوقعات بالحقيقة، يتولد الإحباط، ويتعمق الشعور بأن الخطاب الرسمي لا يصف ما يجري بقدر ما يسعى إلى تغليفه.
في النهاية، لا تُبنى الدول على البلاغة وحدها، ولا تُدار الحروب بالشعارات. القيادة الحقيقية تحتاج إلى وضوح، ومصارحة، وقدرة على الاعتراف بالتعقيد بدل بيعه في صورة نصر دائم.
لقد جرى استهلاك كلمة “النصر” إلى درجة أفقدتها قيمتها الرمزية. والكلمات، حين تُفرغ من معناها، لا تعود أدوات تعبئة، بل تصبح شواهد على أزمة الخطاب نفسه.
والشعوب، مهما طال الوقت، تميز بين النصر الحقيقي الذي ينعكس على حياتها، وبين نصر يُعلن في الميكروفونات بينما الواقع يروي قصة أخرى تمامًا.
وكلمة لا بد منها: الشعب السوداني الذي تصرخون باسمه، زورا وبهتانا، اصبح يعي، يقينا، أن “القبة” ليس تحتها “فكي”، حتى ولو عاد النور احمد القبة الى الحضن المعلوم..
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.