في خضم احتدام المعارك الميدانية في البلاد بين طرفي الحرب، «الجيش» و«الدعم السريع»، تدور في الخلفية حرب أخرى أقل ضجيجًا وأكثر تأثيرًا، لا تُستخدم فيها الأسلحة الثقيلة، بل تُدار عبر مكاتب علاقات عامة دولية ووكالات إعلام عابرة للحدود، يقودها خبراء إعلاميون وصحفيون وكتّاب متخصصون في صناعة السرديات والتأثير على الرأي العام.
يتناول تقرير «عين الحقيقة» تفاصيل ما يمكن وصفه بـ«حرب العلاقات العامة» التي تُشن لدعم الجيش السوداني في الخارج، حيث تُنفق ملايين الدولارات لإعادة تشكيل صورة الصراع، والتأثير على مواقف الحكومات الغربية، ومحاصرة الخصوم السياسيين خارج البلاد.
وتفيد معلومات حصلت عليها «عين الحقيقة» أن الدعم المقدم للجيش لم يقتصر على الجوانب العسكرية، بل امتد ليشمل ما يُعرف بـ«تبييض السردية». فقد تعاقدت جهات مرتبطة بالجيش السوداني، ورجال أعمال مقرّبون منه، مع شركات علاقات عامة ومراكز خبرة استراتيجية في عواصم مثل واشنطن ولندن، إلى جانب منصات إعلامية مؤثرة في قطر وتركيا ومصر.
وتتركز مهام هذه الجهات والمنصات على إعادة توصيف النزاع ليُقدَّم دوليًا باعتباره مواجهة بين الدولة الشرعية» وميليشيا متمردة ذات طابع إرهابي، بدلًا من كونه صراعًا داخليًا معقدًا بين أطراف متعددة، إلى جانب ترتيب لقاءات لمسؤولين عسكريين مع صحف دولية ومراكز أبحاث مؤثرة، لنقل رواية الجيش مباشرة إلى صناع القرار في العواصم الغربية.
ويُعد ملف «الإخوان المسلمين» أحد أبرز أدوات الضغط المستخدمة في هذه الحملات.. فعلى المستوى الداخلي، يُقدَّم الجيش بوصفه حاميًا للقيم الوطنية والدينية في مواجهة ما يُصوَّر على أنه تهديد للفوضى والانقسام، وهو خطاب يجد قبولًا لدى قطاعات شعبية محافظة. أما على المستوى الخارجي، فتسعى هذه الحملات إلى نفي أي هيمنة للإسلاميين على المؤسسة العسكرية، مع توجيه اتهامات لقوى مدنية ومعارضة، وتصويرها كواجهات لتيارات تهدف إلى زعزعة استقرار السودان والمنطقة، في محاولة لكسب تعاطف العواصم الغربية القلقة من تمدد الجماعات المتطرفة.
وامتدت هذه الحرب الإعلامية إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث ترصد تحليلات متخصصة نشاطًا مكثفًا لشبكات من الحسابات الوهمية «البوتات»، يُعتقد أن بعضها يُدار من دول إقليمية داعمة للجيش… وتعمل هذه الشبكات وفق استراتيجية «الإغراق المعلوماتي، من خلال نشر آلاف المنشورات والتعليقات تحت وسوم موحدة لدعم الجيش، وشن حملات تشويه معنوي ضد شخصيات معارضة، واتهامها بالخيانة أو العمالة، فضلًا عن السعي إلى التغطية على التقارير الدولية المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، عبر تضخيم انتهاكات الطرف الآخر وتحويل مسار النقاش العام.
وتعتمد الجهات الداعمة للجيش على منظومة متكاملة من أدوات «الحرب الناعمة»، تجمع بين التأثير الإعلامي والضغط السياسي وصناعة الرأي داخل أوساط النخب. وتبرز في هذا السياق وكالات العلاقات العامة التي تنتج مقالات رأي موجهة، وتنظم أنشطة لوبي دبلوماسي لإعادة تسويق صورة الجيش أمام المجتمع الدولي.
وبالتوازي، تُستخدم الجيوش الإلكترونية للسيطرة على «الترند» وإسكات الأصوات المدنية المعارضة، فيما تلعب مراكز الأبحاث وبيوت الخبرة دورًا في إعداد أوراق تحليلية وتقديرات أمنية تُقدَّم لصناع القرار في الغرب، وتروّج لفكرة أن بقاء الجيش في السلطة يمثل «الخيار الأقل كلفة» لتجنب انهيار الدولة.
ورغم أن استخدام الإعلام والعلاقات العامة في النزاعات المسلحة ليس أمرًا جديدًا، فإن الحالة السودانية تكشف مفارقة لافتة، إذ يبدو أن الإنفاق على تحسين الصورة الذهنية في الخارج يفوق، في كثير من الأحيان، حجم الجهود المبذولة للإغاثة الإنسانية أو البحث عن حلول سلمية.. وفي أوج هذا الصراع السردي، تظل الحقيقة هي الضحية الأولى، حيث تُطمس معاناة ملايين السودانيين تحت حملات منظمة ورسائل موجهة بعناية.
وتدعم هذه الصورة تقارير دولية عدة رصدت أبعاد الحرب الإعلامية في السودان. فقد كشف تقرير صادر عن منظمة «فالنت بروجكتس» عن شبكة حسابات وهمية تعمل على تضخيم خطاب قادة الجيش واستهداف القوى المدنية، بما في ذلك تنسيقية «تقدم»، عبر اتهامها بالعمالة وتقديم غطاء سياسي لقوات الدعم السريع. كما أشار مختبر الأبحاث الجنائية الرقمية «DFRLab» إلى «طوفان من المعلومات المضللة»، شمل استخدام تقنيات التزييف العميق ومقاطع فيديو مجتزأة لتثبيت انتصارات وهمية أو تشويه المعارضين، مع رصد إدارة بعض هذه الحملات من خوادم خارج السودان.
ومن جهتها، وثّقت منظمة «ذا سنتري» أبعاد التمويل الاقتصادي لهذه الحملات، مشيرة إلى دور شبكات مرتبطة بالنظام السابق في دعم أنشطة الضغط السياسي داخل واشنطن، بهدف إقناع مشرعين بأن الجيش يمثل «صمام الأمان» في مواجهة الإرهاب والفوضى.
كما أظهر مؤشر الديمقراطية الرقمية تحركات منسقة لمؤثرين مأجورين في دول إقليمية، تبنوا خطابًا موحدًا يدعم الجيش ويهاجم أي مبادرات دولية للسلام لا تنسجم مع مصالح المؤسسة العسكرية.
وتخلص هذه المعطيات إلى أن السودان بات ساحة اختبار متقدمة لتقنيات التضليل الإعلامي الحديثة، حيث تُشترى السرديات وتُغلَّف الحقائق بما يخدم مصالح القوى المتصارعة، ما يضع القارئ السوداني والمراقب الدولي أمام تدفق كثيف من المعلومات المربكة، ويجعل الوصول إلى الحقيقة تحديًا متزايد الصعوبة في زمن الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.