طيف أول:
ثمة ما يطفو على سطح الأمنية،
لعلّه أمل مترنّح،
أو لعلّها كلمة ركضت طويلًا بين الأمكنة الخاطئة!!
ولم تتوه علامات الاستفهام عن زيارة المبعوث البريطاني ريتشارد كراودر إلى الفريق أول عبد الفتاح البرهان بمدينة بورتسودان قبل يومين، ولم يتأتم السؤال و تترمّل الإجابات، عندما وقفنا على ناصية الطرح نتساءل: ماذا دار في كواليس هذه الزيارة!!
وهل كانت تحمل إشارات تؤكد أنها زيارة تجاوزت الدبلوماسية الناعمة وحملت تحذيرات واضحة!!
بالأمس كشفت مصادر موثوقة أن الوفد البريطاني وضع على طاولة البرهان مطلبين يتعلقان بقضيتين مهمتين تحت سقف زمني محدد لا يتجاوز شهر فبراير القادم، وطالب الوفد بضرورة أن يتخذ البرهان قرارًا واضحًا هذه الفترة.
الأول: ملف المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، وتحديد مكانهم، والتعاون مع المحكمة، وضرورة تسليمهم للمحاسبة.
والثاني: ضرورة قبول بعثة تقصّي الحقائق الدولية حتى تتمكن من الدخول إلى السودان، وهي البعثة التي خلصت إلى أن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ارتكبتا جرائم حرب واسعة، بما في ذلك استهداف المدنيين وتدمير البنية التحتية الحيوية.
وتحديد فبراير كموعد لا يجب أن يتجاوزه البرهان يؤكد ما ذهبنا إليه: أن بريطانيا جاءت محذّرة قبل موعد رئاستها لمجلس الأمن في فبراير، وأنها قد تكون مستعدة لطرح قرارات جديدة.
وهذا يعني أن بريطانيا، إلى جانب دول أوروبية أخرى، تربط أي تعاون مع حكومة بورتسودان بقبول هذه الشروط.
وبذلك تكون بريطانيا، بهذه المطالب، قد وضعت الجنرال في مواجهة مع قيادات إسلامية وعسكرية رافضة للتعاون مع الجنائية الدولية.
مما يمثل اختبارًا حاسمًا ، إمّا أن تلتزم البرهان بالمسار الدولي أو يواجه قرارات جديدة وعقوبات إضافية.
إن القضيتين المطروحتين أمام البرهان، وهما تسليم المطلوبين للجنائية الدولية والقبول ببعثة تقصّي الحقائق، تكشفان أن الملفات ليست مجرد ملفات قانونية، بل أدوات ضغط سياسي تهدف إلى دفع الحكومة نحو التزامات دولية صارمة.
ومعلوم أن وفدًا من تحالف القوى الديمقراطية المدنية «صمود» التقى عددًا من المسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية بلاهاي، وأن الاجتماع تطرّق إلى قضية المطلوبين للعدالة الدولية وضرورة تقديمهم للمحاكمة، وعلى رأسهم الرئيس المخلوع عمر البشير، إلى جانب القيادي بحزب المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية أحمد هارون، وتبعه تحرك أوروبي بريطاني لمتابعة الملف.
لذلك ربما لم يأتِ حديث وزير الداخلية الفريق شرطة بابكر سمرة أمس، عن أن السلطات الأمنية تمكنت من إعادة القبض على معظم المحكومين الذين فرّوا من السجون عقب اندلاع الحرب، ومن بينهم الرئيس السابق المعزول عمر البشير وعدد من معاونيه البارزين، صدفةً، بل أرادت الحكومة أن تستجيب لمطالب بريطانيا وتؤكد أنها متعاونة.
وأوضح الوزير، في مقابلة حصرية مع (بي بي سي)، أن الرئيس السابق عمر البشير يخضع حاليًا لرقابة مشددة من الشرطة والسلطات القضائية، مشيرًا إلى أن عمليات البحث والملاحقة مستمرة للقبض على بقية الفارين من أعوان النظام السابق.
وعزا عدد من المراقبين، في تصريحات لـ«غلوبال ووتش عربية»، تصاعد الانتهاكات الجسيمة المرتكبة خلال الحرب الدائرة حاليًا، إلى سياسة الإفلات من العقاب المتجذّرة في السودان منذ عقود. ويُعدّ الامتناع عن تسليم البشير ومساعديه إلى المحكمة الجنائية الدولية أحد أبرز مظاهر هذه السياسة.
وقد اتفقت منظمة العفو الدولية و«هيومن رايتس ووتش» وهيئات حقوقية محلية على مطالبة السلطة القائمة بقيادة الجيش بضرورة تسليم البشير ومساعديه.
فهل ستكون استجابة البرهان بتسليم المطلوبين أولى خطوات الاستجابة لمطالب المجتمع الدولي؟ ولو تعاون البرهان لتسليم المطلوبين للجنائية، هل يجعل ذلك ظهر الإسلاميين مكشوفًا أمام متغيرات الرياح الدولية كأدوات وعوامل تعرية؟!!
طيف أخير:
قال مراقبون لـ«سكاي نيوز» إن الاتهامات المتزايدة باستخدام الجيش السوداني ومجموعات متحالفة معه أسلحة كيميائية خلال الحرب المستمرة، تقوّض الصورة التي يُروَّج لها باعتباره “ركيزة أساسية للأمن”، وتضع حلفاءه في موقف حرج، كما تمثّل تحديًا مباشرًا للقانون الدولي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.