بين المنع والتخوين… البرهان يواجه القوى المدنية في «صمود» بقبضة العسكر

 

تقرير: عين الحقيقة

فجّرت التصريحات الأخيرة لرئيس مجلس السيادة الانتقالي في حكومة بورتسودان وقائد الجيش السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، موجة عارمة من الردود السياسية الغاضبة، بعد توعّده الصريح بمنع قيادات تحالف القوى المدنية من العودة إلى السودان. وبينما يراها مراقبون محاولة لفرض واقع عسكري جديد، اعتبرتها القوى المدنية استنساخًا لخطاب نظام «الإخوان» البائد وتكريسًا لسياسة الإقصاء.

وكان البرهان قد وجّه خطابًا شديد اللهجة خلال زيارته لمنطقة الكلاكلة بالخرطوم، طال قيادات بتحالف «صمود»، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، مؤكدًا أن أقدامهم لن تطأ أرض السودان.

ولم يكتفِ البرهان بالمنع، بل شنّ هجومًا على الدول المستضيفة لهم، متهمًا إياها بالعمل ضد الشعب السوداني، ومحمّلًا المعارضة مسؤولية ما وصفه بتجاوزات الحرب. وجاء هذا التصعيد ردًا على اتهامات ساقها القيادي خالد عمر يوسف «سلك» بشأن استخدام القوات المسلحة لأسلحة كيميائية، وهي فرية اعتبرها البرهان مرفوضة شعبيًا.

وفي أول رد فعل، وصفت القيادية بحزب الأمة القومي، د. داليا كباشي، خطاب البرهان بأنه إعلان صريح لواقع لا مكان فيه للمدنيين في «سودان العسكر». وتساءلت داليا باستنكار عن القانون الذي يمنح قائد الجيش الحق في منح صكوك الوطنية وسحبها من المعارضين، معتبرة أن تهديد المدنيين عبر ميكروفونات المساجد يعكس تحوّل الجيش إلى أداة لحماية المؤتمر الوطني المحلول وحركته الإسلامية.

من جانبه، قلّل القيادي في تحالف «صمود» خالد عمر يوسف من شأن التهديدات، مشبّهًا خطاب البرهان بوعيد الرئيس المخلوع عمر البشير، الذي سقط وبقي الشعب. وقال يوسف إن البرهان يجتهد في اقتفاء أثر المخلوع حذو النعل، مؤكدًا أن الأولوية الآن هي وقف نزيف الدماء وإيجاد مخرج سلمي، مشددًا على أن العودة للوطن حق أصيل لا يملكه جنرال.

ودخل الحزب الاتحادي الموحد على خط المواجهة، حيث اعتبر رئيسه محمد عصمت أن خطاب البرهان «مذكرة حقيقية في أدبيات الحركة الإسلامية» ورسالة استعداء صريحة لقوى ثورة ديسمبر. ودعا عصمت إلى ضرورة وحدة الصف الثوري لمواجهة ما وصفه بـ«غيلان الإسلام السياسي» الذين عادوا إلى الواجهة عبر بوابة المؤسسة العسكرية.

كما انتقد المدير التنفيذي لمنظمة مناصرة ضحايا دارفور، آدم موسى المعروف بـ«أوباما»، تصريحات قائد الجيش، وقال أوباما في منشور على صفحته في فيسبوك إن السودان ليس ملكًا للبرهان ومجموعته التي أشعلت الحرب، مشيرًا إلى أن جولات رئيس الوزراء السابق د. حمدوك الخارجية لوقف الحرب أزعجت فلول النظام المُباد وتوابعهم، أمثال البرهان.

ويرى محللون سياسيون أن لغة التخوين والمنع التي انتهجها البرهان تضع المبادرات الدولية والإقليمية للسلام في مأزق حقيقي، إذ لا تقطع الطريق أمام العودة المدنية فحسب، بل تنسف جسور الثقة اللازمة لأي عملية تفاوضية مستقبلية.

وبحسب تقارير، فإن هذا الخطاب يعزز المخاوف من تحوّل النزاع المسلح إلى صراع وجودي بين العسكر وحلفائهم من النظام القديم، وبين القوى المدنية الديمقراطية.

وبين وعيد البرهان وإصرار القوى المدنية على حقها في المشاركة والعودة، يواجه السودان اليوم مفترق طرق خطيرًا، وتضيق مساحات الحل السلمي. ويبقى السؤال قائمًا: هل ينجح نهج الإقصاء فيما فشل فيه طوال ثلاثين عامًا، أم أن إرادة ديسمبر ستعيد ترتيب المشهد بعيدًا عن فوهات البنادق؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.