تعيش الشهادة السودانية واحدة من أخطر محطاتها منذ تأسيسها، في ظل واقع سياسي وعسكري منقسم أفرز سلطتين متوازيتين تتنازعان الشرعية والإدارة، الأمر الذي انعكس مباشرة على ملف التعليم، وتحديداً امتحانات الشهادة الثانوية للعام 2026، التي تحولت من استحقاق أكاديمي إلى ساحة صراع سياسي ومجتمعي.
واليوم الاثنين 16 فبراير، أعلنت «حكومة السلام» اكتمال استعداداتها لإجراء امتحانات الشهادة السودانية لعام 2026، بعد توقف دام ثلاث سنوات بسبب الحرب. واعتبرت الحكومة أن استئناف الامتحانات يمثل خطوة لإنهاء الانقطاع التعليمي وضمان التحاق الطلاب بالجامعات في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وأكدت، في بيان صادر عن مجلس وزرائها التابع لتحالف «تأسيس»، اكتمال الجوانب الفنية والإدارية والأمنية، مع التعهد بإتاحة الجلوس للامتحانات لجميع الطلاب دون استثناء، بمن فيهم الذين حُرموا منها خلال سنوات الحرب.
وشددت حكومة السلام، برئاسة محمد الحسن التعايشي، على أن التعليم يمثل أولوية قصوى، ووصفت حرمان الطلاب منه بأنه «جريمة جسيمة لا تسقط بالتقادم».
كما أكدت أن عملية الامتحانات ستدار وفق معايير النزاهة وتكافؤ الفرص، مع ضمان التحاق الناجحين بالتعليم العالي داخل المؤسسات الواقعة تحت إدارتها، وهو ما يعكس استمرار الانقسام الإداري والجغرافي في البلاد.
وقال وزير الداخلية بحكومة السلام، سليمان صندل حقار، في منشور على صفحته بـ«فيسبوك»، إن الامتحانات ستقام لكل الطلاب الموجودين في مناطق سيطرة الحكومة، مع فتح المجال أمام الطلاب في بقية المناطق للتقديم وفق الشروط المعلنة من اللجنة الفنية العليا، مؤكداً التزام الحكومة بتوفير كل ما يلزم لإنجاح الامتحانات.
وفي المقابل، أعلنت وزارة التربية والتعليم في السلطة الأخرى، الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية، تحديد موعد امتحانات الشهادة الثانوية للعام 2026 في 13 أبريل المقبل، على أن تُجرى في جميع المراكز الواقعة تحت سيطرة الجيش.
وأكدت الوزارة جاهزيتها الفنية واللوجستية، داعية الطلاب إلى استكمال إجراءات التسجيل والاستعداد المبكر، في خطوة قوبلت بترحيب محدود، لكنها أثارت مخاوف واسعة من تشظي المنظومة التعليمية وتهديد وحدة الشهادة السودانية.
وسط هذا المشهد، حذرت لجنة المعلمين السودانيين في وقت سابق من خطورة استمرار حرمان أعداد كبيرة من طلاب الشهادة الثانوية في مناطق النزاع ومناطق سيطرة قوات الدعم السريع من الجلوس للامتحانات.
واعتبرت اللجنة أن ما يحدث يمثل استخداماً للتعليم كأداة من أدوات الحرب، ويهدد مستقبل مئات الآلاف من الطلاب، بل وينذر بتحويل جيل كامل إلى ضحية مباشرة للصراع.
وقدمت اللجنة مقترحاً يتمثل في إنشاء لجنة وطنية محايدة لتنسيق التعليم في جميع أنحاء السودان، تضم مختصين، وتعمل على توحيد العملية التعليمية والإشراف على امتحانات الشهادة الثانوية بما يضمن وصولها إلى جميع الطلاب دون تمييز.
ودعت الجهات المعنية إلى تغليب صوت العقل، مؤكدة أن الحرب، مهما طالت، تبقى حالة عارضة، بينما تبقى آثار تدمير التعليم طويلة الأمد.
ولا يقتصر القلق على الداخل السوداني، إذ حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن آلاف الطلاب اللاجئين السودانيين في دول الجوار، لا سيما تشاد، مهددون بفقدان فرصهم في التعليم بسبب خفض المساعدات وإغلاق المدارس ووقف الخدمات الحيوية.
وأكدت المفوضية أن القضية لا تتعلق بالتمويل فقط، بل بحق هؤلاء الطلاب في بناء مستقبل أفضل.
وتبدو الشهادة السودانية لعام 2026، في ظل هذا الواقع، امتحاناً مزدوجاً: امتحاناً للطلاب في ظروف قاهرة، وامتحاناً للدولة السودانية نفسها وقدرتها على حماية حق التعليم كقاسم وطني مشترك، بعيداً عن منطق السلاح والانقسام.
وبين سلطتين وجداول متباينة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجو الشهادة السودانية من التشظي، أم تصبح مرآة لانقسام وطن بأكمله؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.