علي فضل… قصة طبيب قتله التعذيب في أقبية أمن الحركة الإسلامية

تقرير: عين الحقيقة

في ذاكرة السودانيين، لا سيما خلال تسعينات القرن الماضي، حين برزت موجات العنف والقمع المرتبطة بحكم الحركة الإسلامية «الإخوان المسلمين»، تبقى أسماء قليلة قادرة على اختصار مرحلة كاملة من الخوف والصمت الثقيل. ومن بين تلك الأسماء يبرز الطبيب علي فضل، الذي تحولت قصته إلى رمز لانتهاكات ارتبطت ببدايات حكم الحركة الإسلامية بعد انقلاب عام 1989، وإلى واحدة من أبرز القضايا الحاضرة في مطالب العدالة والمساءلة.

لم تكن قصته مجرد واقعة اعتقال انتهت بوفاة، بل حكاية طبيب شاب اختار طريق العمل النقابي والمقاومة السلمية، قبل أن يجد نفسه في أقبية التعذيب..

لم تكن قصته مجرد واقعة اعتقال انتهت بوفاة، بل حكاية طبيب شاب اختار طريق العمل النقابي والمقاومة السلمية، قبل أن يجد نفسه في أقبية التعذيب، لتتحول حياته إلى شهادة دامغة على زمن اتسعت فيه دائرة القمع، وضاقت فيه مساحات الحرية. ونُسبت إليه داخل المعتقل كلمات بدت كأنها رسالة وداع للسودانيين الذين تجرعوا صنوف القهر والتنكيل خلال تلك الحقبة، إذ قال: انا المواطن علي فضل أسرتي من الديوم الشرقية بالخرطوم… ظللت أتعرض للتعذيب المتصل، وأعتقد أنني شارفت على الموت. كان ذلك بسبب أفكار وطريق اخترته عن قناعة ولن أتراجع عنه… وإنني على ثقة بأن هناك من سيواصل بعدي على هذا الدرب».
بهذه الكلمات تبدأ واحدة من أكثر القصص إيلاماً في تاريخ السودان الحديث، قصة طبيب شاب تحوّل من مناضل نقابي إلى ضحية تعذيب انتهت حياته في أقبية أجهزة أمن الحركة الإسلامية التي حكمت البلاد بعد انقلاب 30 يونيو 1989.
وُلد علي فضل عام 1950 في حي الديم جنوب الخرطوم، ونشأ في بيئة شعبية عُرفت بالحراك السياسي والنقابي. تنقّل في مراحله الدراسية بين مدارس الخرطوم وبخت الرضا، قبل أن يلتحق بكلية الطب بجامعة الخرطوم عام 1971. غير أن نشاطه السياسي أدى إلى فصله، فانتقل إلى جامعة الزقازيق في مصر، حيث أكمل دراسته بتفوق. ورغم عرض العمل الأكاديمي عليه، فضّل العودة إلى السودان، مؤمناً بأن البلاد في حاجة إلى أطبائها.
التحق بوزارة الصحة عام 1980، وعمل في عدد من التخصصات، بينها الأمراض النفسية والعصبية وجراحة المخ والأعصاب، قبل أن يتجه إلى التخصص في طب المجتمع. لكن حضوره الأبرز لم يكن في غرف العمليات، بل في ساحات العمل النقابي وسط الأطباء، حيث عُرف بنشاطه التنظيمي ومواقفه الصريحة ضد السلطة العسكرية. بعد انقلاب 30 يونيو 1989، الذي قادته الجبهة القومية الإسلامية بزعامة حسن الترابي، كان علي فضل من أبرز المشاركين في تنظيم إضراب الأطباء في نوفمبر من العام نفسه. شكّل الإضراب واحدة من أولى موجات المقاومة المدنية للنظام الجديد، وكسر حاجز الخوف في مواجهة السلطة التي استولت على الحكم بالقوة.

تشير روايات معتقلين وتقارير طبية لاحقة إلى أنه تعرض لتعذيب متواصل استمر أكثر من ثلاثة أسابيع. أُصيب بجرح غائر في الرأس منذ الأيام الأولى، وتمت خياطته داخل مكان الاحتجاز..

لكن النظام لم يتأخر في الرد. أُطلقت حملات اعتقال واسعة وسط النقابيين، ونُقل العشرات إلى معتقلات سرية عُرفت باسم «بيوت الأشباح»، كانت تديرها أجهزة أمن مرتبطة بالحركة الإسلامية. وفي مساء 30 مارس 1990، اعتُقل علي فضل ضمن هذه الحملة، ليبدأ فصل التعذيب الذي سيقوده إلى نهايته.
تشير روايات معتقلين وتقارير طبية لاحقة إلى أنه تعرض لتعذيب متواصل استمر أكثر من ثلاثة أسابيع. أُصيب بجرح غائر في الرأس منذ الأيام الأولى، وتمت خياطته داخل مكان الاحتجاز، بينما استمر التعذيب حتى تدهورت حالته الصحية بشكل حاد. كما حُرم من الطعام والماء في بعض الفترات، ومن النظافة والاستحمام طوال مدة الاعتقال.
فجر يوم 21 أبريل 1990، نُقل علي فضل إلى المستشفى العسكري في أم درمان وهو فاقد الوعي. وصف أحد الأطباء حالته بأنها أقرب إلى شخص مشرّد جُلب من الشارع، من شدة ما أصابه من إنهاك وتعذيب. وبعد أقل من ساعة من وصوله، فارق الحياة.
في البداية، أصدرت السلطات تقريراً نسب الوفاة إلى «حمى الملاريا». لكن أسرة الطبيب رفضت الرواية الرسمية، وطالبت بإعادة التشريح. وبعد الفحص مجدداً، أثبت تقرير الطب الشرعي أن الوفاة حدثت نتيجة نزيف حاد في الرأس بسبب ارتجاج في المخ ناتج عن الاصطدام بجسم صلب، ما فتح بلاغاً جنائياً بتهمة القتل العمد.
ورغم ذلك، لم تصل القضية إلى خواتيمها القضائية، إذ توقفت التحقيقات وسط اتهامات بوجود ضغوط حالت دون محاسبة المسؤولين عن التعذيب.
تحولت قضية علي فضل إلى واحدة من أبرز رموز الانتهاكات التي ارتُكبت في بدايات حكم الحركة الإسلامية في السودان. لم يعد مجرد اسم في سجل الضحايا، بل أصبح رمزاً لمرحلة كاملة من القمع السياسي والتعذيب داخل المعتقلات السرية.
واليوم، بعد عقود من تلك الحادثة، ما تزال قصته تُستعاد في النقاشات السياسية والحقوقية، بوصفها مثالاً على الثمن الذي دفعه كثيرون بسبب مواقفهم.
وتبقى قصة النقابي والطبيب الإنساني علي فضل واحدة من أكثر الشهادات وضوحاً على طبيعة المرحلة التي حكمت فيها الحركة الإسلامية السودان خلال تسعينات القرن الماضي؛ مرحلة ارتبطت في ذاكرة كثير من السودانيين بحملات الاعتقال الواسعة، وبيوت الأشباح، والانتهاكات التي طالت معارضين ونقابيين وناشطين سياسيين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.