في تحرك دبلوماسي لافت ومنسق، كثفت سلطة بورتسودان، التي يهيمن عليها تحالف الجيش والإسلاميين، من تحركاتها في العاصمة الأوغندية كمبالا خلال الأسبوع الماضي. وتهدف هذه التحركات، المدعومة بغطاء دبلوماسي، إلى إحداث خرق في جدار الحياد الأوغندي تجاه الحرب السودانية المستمرة، وسحب البساط من تحت أقدام حكومة تأسيس برئاسة الفريق أول محمد حمدان دقلو، في واحدة من أهم العواصم المؤثرة في شرق أفريقيا.
وتشير القراءات السياسية لسلسلة الاجتماعات التي عقدت في كمبالا مؤخرًا إلى أن “حكومة بورتسودان” تسعى لإعادة صياغة علاقتها مع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، الذي طالما احتفظ بمسافة واحدة من طرفي النزاع، وذلك عبر استخدام أوراق ضغط متعددة تشمل “المخاوف الأمنية”، و”التعاون الاستخباراتي”، و”القوى الناعمة الدينية”.
وشكّل اللقاء الذي جمع موسيفيني بمالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة، أمس الجمعة في عنتيبي، ذروة هذا الحراك. ورغم أن البيان الرسمي ركّز على “استعادة الاستقرار” ومناقشة “الوضع الراهن”، فإن مراقبين يرون أن وفد بورتسودان ركّز على تقديم مغريات أمنية لكمبالا.
ويبدو أن توجيه موسيفيني بإعادة السيارات السودانية المنهوبة، والتعاون في استرداد الممتلكات، يمثل بادرة حسن نية أوغندية واستجابة أولية للضغوط، حيث جرى تغليف هذا التعاون بغطاء “مكافحة الجريمة العابرة للحدود”، وهو مدخل استخدمته سلطة بورتسودان لشرعنة حضورها الأمني والاستخباراتي داخل الأراضي الأوغندية بالتنسيق مع السلطات المحلية.
وبالتوازي مع تحركات عقار، دخلت القاهرة—الداعم الإقليمي الأبرز لمعسكر الجيش والإسلاميين—بثقلها الدبلوماسي، حيث حملت مباحثات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره الأوغندي هنري أوكيلو، في أديس أبابا الأسبوع الماضي، رسائل واضحة تدعو إلى تبنّي مقاربة “السيادة الوطنية”.
ويعكس البيان المشترك، الذي شدد على الحفاظ على وحدة وسيادة الدولة السودانية، نجاحًا مصريًا في دفع الدبلوماسية الأوغندية نحو تبنّي مصطلحات تخدم رواية حكومة بورتسودان، التي تعتبر أي تعامل متوازٍ مع الدعم السريع انتهاكًا لهذه السيادة.
وتسعى القاهرة، من خلال هذا التنسيق، إلى محاصرة أي ميل أوغندي لاستضافة أو دعم القوى المدنية أو العسكرية المناهضة لسلطة بورتسودان.
ولم تقتصر محاولات حكومة بورتسودان على المسار السياسي، بل امتدت إلى محاولة توظيف المؤسسات الدينية الأوغندية لتسويق رواية “انتهاء الحرب”.
ففي زيارته لمفتي أوغندا الشيخ شعبان رمضان مباجي، حاول سفير حكومة بورتسودان أحمد إبراهيم تسويق سردية مفادها أن “الوضع عاد إلى طبيعته” وأن الخرطوم باتت آمنة تمامًا، متجاهلًا التقارير الدولية والأممية التي تؤكد استمرار المعارك وانعدام الأمن.
ويمثل طلب السفير من المفتي توجيه الأئمة لدعوة اللاجئين إلى العودة محاولة خطرة لاستخدام المنابر الدينية في أوغندا للضغط على اللاجئين السودانيين، الذين يتجاوز عددهم المئة ألف، من أجل العودة القسرية أو الطوعية المبنية على معلومات مضللة. وتهدف سلطة بورتسودان من وراء ذلك إلى اكتساب شرعية “الاستقرار” أمام المجتمع الدولي، والقول إن المواطنين يعودون إلى حضن الدولة، رغم أن مكتب الأمم المتحدة في أوغندا كان قد اعتذر عن المشاركة في برنامج العودة الطوعية الذي بدأته سفارة بورتسودان لعدم توفر شروط السلامة.
كما قام السفير بتسويق “إعلان كمبالا” ووثائق أخرى تصبغ الصراع بصبغة “مقاومة الإمبريالية”، في محاولة لاستمالة مشاعر الرئيس موسيفيني والتيار البان-أفريقي في أوغندا، وتصوير حرب الجيش ضد الدعم السريع كحرب ضد “غزو أجنبي”، بما يسهل استمالة الموقف الأوغندي.
ورغم هذه التحركات المكثفة، يظل الموقف الأوغندي متسمًا بالحذر البراغماتي. فردّ المفتي الدبلوماسي بأن “من يعود أولًا سيخبر البقية” يعكس عدم تبنّي الرواية الحكومية السودانية بالكامل.
كما أن تاريخ موسيفيني في المناورات السياسية يشير إلى أنه قد يقدم تنازلات تكتيكية، مثل ملف السيارات المنهوبة، دون التخلي بالضرورة عن أوراق ضغطه الإقليمية الأخرى.
لكن المؤكد أن سلطة بورتسودان تخوض معركة شرسة في كمبالا لسحب “ملف الحياد” من الطاولة، وتحويل أوغندا من وسيط محايد إلى حليف أمني، مستغلة خطاب “السيادة” والروابط الدينية لمحاصرة خصومها في الداخل والخارج.
غير أن هذه التحركات تثير تساؤلات جوهرية حول أولويات سلطة بورتسودان في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد. فبدلًا من توجيه الجهد الدبلوماسي نحو إيقاف الحرب وفتح مسار سياسي شامل يخفف معاناة المدنيين، تبدو التحركات مركّزة على كسب اصطفافات إقليمية وتعزيز شرعية طرف على حساب آخر، ولو عبر توظيف ملفات الأمن والهجرة والخطاب الديني.
ويبقى الرهان على الضغط الدبلوماسي والأمني في العواصم الإقليمية غير كافٍ لتوفير بديل مستدام عن تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الصراع. فاستعادة الاستقرار الحقيقي لا تُبنى عبر التحالفات الظرفية أو الخطابات التعبوية، بل عبر عملية سياسية شفافة تنهي الحرب، وتعيد بناء الدولة على أسس مدنية متوافق عليها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.