يشهد إقليم كردفان موجة نزوح متسارعة تعكس حجم التدهور الأمني الذي ضرب المنطقة خلال الأشهر الماضية، إذ تحوّل الإقليم من ممر استراتيجي مهم داخل السودان إلى ساحة مفتوحة للعمليات العسكرية والتنافس الميداني.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن آلاف الأسر اضطرت إلى مغادرة منازلها تحت ضغط الاشتباكات وانعدام الأمن، في رحلة فرار محفوفة بالمخاطر بحثاً عن ملاذ يوفر الحد الأدنى من مقومات الحياة.
ووفقاً لبيانات منظمة الهجرة الدولية، تجاوز عدد النازحين 88,316 شخصاً خلال الفترة من 15 أكتوبر 2025 حتى يناير 2026، وهو رقم يعكس تسارعاً لافتاً في وتيرة النزوح ويؤكد اتساع رقعة الأزمة الإنسانية في الإقليم.
ولم تتجه حركة النزوح إلى مسار واحد، بل توزعت عبر 69 موقعاً مختلفاً، في مشهد يفرض تحديات لوجستية معقدة على المنظمات الإنسانية، التي تواجه صعوبة في الوصول إلى تجمعات سكانية متفرقة تقع في مناطق ذات هشاشة أمنية عالية.
وتُظهر البيانات أن ولاية شمال كردفان استحوذت على النصيب الأكبر من النازحين بنسبة 62 في المئة، نتيجة موقعها الحيوي واحتضانها طرق إمداد رئيسية، إضافة إلى قربها من مدينة الأبيض، ما جعلها مسرحاً لمواجهات مباشرة دفعت أعداداً كبيرة من المدنيين إلى النزوح الجماعي.
أما ولاية جنوب كردفان فسجلت نحو 37 في المئة من إجمالي حالات النزوح، في مؤشر على استمرار الضغوط الأمنية والعمليات العسكرية في مناطق تُعد من أكثر القطاعات حساسية على المستوى الاستراتيجي.
ورغم أن نسبة النزوح من غرب كردفان ظلت أقل من 1 في المئة، يرى مراقبون في ذلك مؤشراً مبكراً لاحتمال اتساع الأزمة إذا ما انتقلت بؤر القتال إلى الولاية خلال الفترة المقبلة.
وكشفت وجهات النزوح عن نمط واضح في البحث عن الاستقرار الإداري، حيث تركزت التدفقات البشرية في محليتي شيكان والرهَد بولاية شمال كردفان، إلى جانب تحركات ملحوظة نحو ولاية النيل الأبيض.
ويعزو مراقبون اختيار هذه المناطق إلى قدرتها النسبية على توفير الحماية والخدمات الأساسية، فضلاً عن وجود مؤسسات حكومية ومنظمات إنسانية ومراكز لتوزيع المساعدات.
غير أن هذا التركز السكاني المتزايد يضع تلك المناطق تحت ضغط كبير، ويهدد بتحويلها إلى نقاط استنزاف إنساني في ظل محدودية الموارد واتساع الاحتياجات.
ولا يمكن فصل أزمة النزوح في كردفان عن المشهد الوطني الأوسع منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، إذ يُضاف النازحون الجدد إلى رقم يقترب من 13 مليون نازح داخلياً، ما يجعل السودان أحد أكبر مسارح الأزمات الإنسانية في العالم.
وخلف هذه الأرقام تقف قصص فقدان وتشرد لعائلات اقتُلعت من جذورها، في ظل جمود سياسي واستمرار المواجهات العسكرية من دون مؤشرات واضحة على التهدئة.
ومع غياب الاستقرار الأمني، يخشى مراقبون من تحول النزوح الحالي إلى حالة طويلة الأمد، تعيد تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية للإقليم، وتدفع به من منطقة غنية بالموارد إلى بؤرة دائمة للاحتياج الإنساني.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.