الحركة الإسلامية في السودان… إرثٌ من الجدل السياسي واتهامات ثقيلة بالعنف والفساد وتعطيل الانتقال
تقرير – عين الحقيقة
تُعدّ الحركة الإسلامية السودانية واحدة من أكثر التنظيمات السياسية إثارةً للجدل في تاريخ السودان الحديث، بعدما انتقلت منذ خمسينيات القرن الماضي من العمل الدعوي والتنظيم السري إلى الإمساك الكامل بمفاصل الدولة عقب انقلاب عسكري عام 1989، وهو الحدث الذي دشّن مرحلة طويلة من الحكم السلطوي، ارتبطت – وفق تقارير حقوقية وسياسية – بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وصراعات داخلية عميقة ما تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
باحث: الحركة الإسلامية تحولت تدريجيًا من مشروع فكري وتنظيم سياسي إلى سلطة حاكمة سيطرت على مؤسسات الدولة الأمنية والاقتصادية..
من التنظيم السري إلى سلطة الدولة
أستاذ العلوم السياسية خالد سليمان يذهب قائلا: هنالك قراءات تاريخية تُشير إلى أن الحركة الإسلامية تحولت تدريجيًا من مشروع فكري وتنظيم سياسي إلى سلطة حاكمة سيطرت على مؤسسات الدولة الأمنية والاقتصادية. وخلال ثلاثة عقود من الحكم، وُجّهت اتهامات للحركة بإدارة أجهزة أمنية مارست الاعتقال التعسفي والتعذيب داخل ما عُرف بـ«بيوت الأشباح»، في إطار مواجهة المعارضين السياسيين والنشطاء. ويمضي: كما ارتبطت فترة حكمها بتصاعد النزاعات المسلحة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، حيث أدت السياسات العسكرية والإقصائية إلى مقتل أعداد كبيرة من المدنيين وتشريد الملايين، بينما أُحيلت بعض القضايا المرتبطة بجرائم حرب وانتهاكات جسيمة إلى المحكمة الجنائية الدولية.
اقتصاد الموارد… بين الثراء الطبيعي والفقر المزمن
وتشير تقارير اقتصادية إلى أنه رغم امتلاك السودان ثروات طبيعية كبيرة تشمل الأراضي الزراعية والمياه والذهب والنفط والثروة الحيوانية، ظل المواطن السوداني يواجه تحديات اقتصادية حادة خلال سنوات حكم الحركة الإسلامية. وتشير تقارير رقابية واقتصادية إلى أن الفساد المؤسسي وسياسات التمكين الحزبي وغياب الشفافية أدت إلى تراجع قطاعات الإنتاج وإضعاف البنية التحتية. كما اتهم معارضون الحركة بتوجيه الموارد لخدمة شبكات مصالح سياسية وأمنية، ما ساهم في تعميق الفوارق الاجتماعية وتدهور الخدمات العامة، وتحويل السودان من اقتصاد واعد بالإنتاج إلى دولة تعاني أزمات متكررة.
قانوني: مع سقوط نظام الحكم المرتبط بالحركة الإسلامية رسميًا عام 2019، وبرزت مطالب واسعة بالمحاسبة والعدالة الانتقالية، إلا أن ملفات الانتهاكات والفساد لا تزال دون حسم نهائي
اتهامات بدور في تقويض الانتقال وإشعال الحرب
في سياق الأزمة الراهنة، تواجه الحركة الإسلامية اتهامات من قوى سياسية ومدنية بالوقوف خلف تعطيل مسار الانتقال المدني بعد الثورة الشعبية عام 2019، ومحاولة إعادة تشكيل نفوذها عبر مؤسسات الدولة. وتشير شهادات حقوقية وتقارير ميدانية إلى تورط شبكات مرتبطة بالحركة – وفق مزاعم منتقديها – في التحريض على العنف وارتكاب انتهاكات، شملت القتل خارج القانون والاعتقال التعسفي وممارسات تمييزية قائمة على الهوية. كما يتهمها معارضون بدفع البلاد نحو المواجهة المسلحة للحفاظ على نفوذها السياسي، وهو ما تنفيه أطراف قريبة من الحركة التي تعتبر هذه الاتهامات جزءًا من صراع سياسي محتدم.
إرث ثقيل ومسار عدالة مؤجل
القانوني محمد الطاهر يرى أنه مع سقوط نظام الحكم المرتبط بالحركة الإسلامية رسميًا عام 2019، برزت مطالب واسعة بالمحاسبة والعدالة الانتقالية، إلا أن ملفات الانتهاكات والفساد لا تزال – وفق مراقبين – دون حسم نهائي. ويؤكد محللون أن غياب المساءلة الشاملة أسهم في استمرار الانقسام السياسي، وأبقى الجدل حول دور الحركة الإسلامية حاضرًا بقوة في المشهد السوداني.
يبقى إرث الحركة الإسلامية في السودان محل انقسام حاد بين مؤيديها ومعارضيها؛ فبين من يراها فاعلًا سياسيًا تعرض لحملات استهداف، ومن يعتبرها مسؤولة عن تدهور الدولة وتعميق الأزمات، يظل السودان بحاجة إلى تحقيقات شفافة ومسار عدالة واضح لتفكيك إرث الصراع وبناء مستقبل سياسي أكثر استقرارًا.
وفي ظل الحرب المستمرة وتعثر الانتقال، يظل السؤال الأبرز: هل يستطيع السودان تجاوز الماضي عبر مؤسسات قوية ومساءلة حقيقية، أم سيبقى أسير صراعات لم تُحسم بعد؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.