تكبد قطاع التصنيع الدوائي في البلاد خسائر فادحة جراء حرب 15 أبريل، تجاوزت المليار دولار، وفق ما أعلنته غرفة صانعي الأدوية في بيان صحفي، في وقت يواجه فيه القطاع شللاً واسعاً وتحديات تشغيلية تهدد الأمنين الصحي والاقتصادي في البلاد.
وأفادت الغرفة بأن 85% من القطاع الصناعي تضرر بسبب النزاع، بما في ذلك مصانع الأدوية في ولاية الخرطوم التي كانت تنتج نحو 80 صنفاً دوائياً أساسياً. ووفق إحصاءات رسمية، تعرض عدد من المصانع للتدمير الكامل، فيما توقفت أخرى عن العمل بسبب تدهور الأوضاع الأمنية وانقطاع الخدمات الأساسية.
وقال عضو غرفة صانعي الأدوية، خالد وداعة للصحفيين، إن الخسائر الإنشائية المباشرة في القطاع قُدرت بأكثر من 200 مليون دولار، بينما تجاوزت الخسائر الكلية- بما يشمل تعطل سلاسل الإنتاج والتوزيع- حاجز المليار دولار.
وأوضح أن الأضرار لم تقتصر على المباني والمعدات، بل امتدت إلى البنية الفنية للقطاع، حيث شملت الخسائر سرقة كوابل الكهرباء وتدمير أجزاء من خطوط الإنتاج، إلى جانب هجرة ما بين 40% و60% من الكوادر الفنية المتخصصة.
ويُعد هذا النزيف البشري تحدياً كبيراً لصناعة تعتمد على خبرات دقيقة يصعب تعويضها في المدى القصير.
ويضم قطاع الصناعات الدوائية في السودان أكثر من 30 مصنعاً، كان يسهم قبل اندلاع الحرب في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتوفير أصناف أساسية بأسعار مناسبة، دعمت الإمدادات الطبية ونظام التأمين الصحي.
كما يوفر القطاع نحو 8 آلاف وظيفة مباشرة، إضافة إلى آلاف الوظائف غير المباشرة في مجالات النقل والطباعة والتغليف، وتعتمد عليه أكثر من 50 ألف أسرة كمصدر رئيسي للدخل.
وتنتج هذه المصانع حالياً أدوية أساسية تشمل علاجات الضغط والسكري والمضادات الحيوية، ما يسهم جزئياً في تقليص فجوة الإمداد الدوائي.
وتوقع عضو الغرفة دخول أكثر من عدد مم المصانع دائرة الإنتاج بحلول نهاية مارس المقبل، بعد استكمال عمليات التأهيل والمعايرة الفنية، مع احتمال عودة بقية المصانع قبل نهاية العام، إذا تحسن الإمداد الكهربائي وتوفر التمويل اللازم لإعادة التشغيل.
لكن أزمة الكهرباء تظل العقبة الأكبر أمام استعادة الطاقة التشغيلية الكاملة.
فالمصانع التي عادت للعمل تعتمد حالياً على الجازولين والطاقة الشمسية، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التشغيل وزيادة الضغط على رؤوس الأموال، خصوصاً بعد استنزافها خلال فترات التوقف الطويلة.
ودعت غرفة صانعي الأدوية إلى إنشاء محفظة تمويلية عبر البنوك لشراء المواد الخام وتأهيل المصانع، مطالبة الدولة بتوفير الكهرباء، وتبني سياسات جمركية وتمويلية داعمة، وحماية الصناعة الوطنية باعتبارها قطاعاً استراتيجياً مرتبطاً بالأمن الصحي.
من جانبه، أظهر تقرير للمجلس القومي للأدوية والسموم، نُشر منتصف عام 2024، أن الحرب أدت إلى شلل شبه تام في قطاع الصناعات الدوائية، الذي كان يمثل أحد أعمدة الاكتفاء الذاتي في البلاد.
كما أفاد الصندوق القومي للإمدادات الطبية بانهيار منظومة التوزيع الوطنية، وتراجع المخزون الاستراتيجي من الأدوية الأساسية إلى أقل من 20% من مستواه قبل اندلاع الصراع.
أمام هذه الخسائر الضخمة، لم يعد مستقبل الدواء في السودان قضية صناعية فحسب، بل مسألة حياة أو موت؛ فإما إنقاذ المصانع سريعاً، أو ترك ملايين المرضى في مواجهة نقصٍ يتسع كل يوم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.