استئناف صادرات الثروة الحيوانية.. فرص تجارية واعدة لإنعاش اقتصاد مناطق الإنتاج

تقرير: عين الحقيقة

توقفت صادرات السودان من الثروة الحيوانية تقريبًا منذ اندلاع القتال في إقليمي دارفور وكردفان، ما أحدث صدمة في أسواق التصدير والقطاع المحلي على حد سواء.

وكان السودان يُعدّ موردًا رئيسيًا للماشية الحية والجلود إلى مصر ودول الخليج.

ويواجه قطاع الثروة الحيوانية اليوم خسائر إنتاجية وتجارية نتيجة تعطل النقل، ونقص الأعلاف، وتصاعد عمليات التهريب.

وكانت صادرات السودان من الإبل والأبقار والأغنام والضأن تشكّل جزءًا مهمًا من إمدادات السوق المصرية، إلى جانب صادرات الجلود الخام والمصنّعة.

ومع توقف الواردات من إقليمي دارفور وكردفان، اللذين يتميزان بقطيع واسع من الماشية، تراجع مستوى التصدير بشكل ملحوظ، وتوقفت العديد من شركات التصدير والتصنيع.

وانعكس توقف وصول الماشية من دارفور وكردفان في ارتفاع أسعار اللحوم بعدد من الولايات، لا سيما في الولايات الشمالية، حيث بلغ سعر الكيلو الواحد أرقامًا تجاوزت 40 ألف جنيه في بعض الأسواق المحلية، بينما بلغ في دارفور نحو 8 آلاف جنيه فقط.

ولم يؤثر هذا الارتفاع على القدرة الشرائية للمستهلكين فحسب، بل أدى أيضًا إلى توقف عمليات شركات تصنيع وتصدير اللحوم التي اعتمدت على تدفق منتظم للقطعان الحية من مناطق الإنتاج.

كما فقد مربو المواشي مصدر دخل رئيسيًا، إذ أدى تعطل قنوات التصدير إلى تراكم الماشية، مصحوبًا بتكاليف رعاية متزايدة ونقص حاد في الأعلاف، في ظل ظروف مناخية صعبة وعدم توفر فرص عمل أخرى.

ويعزو مختصون في القطاع مشكلات الثروة الحيوانية إلى عدة أسباب وعوامل، أبرزها توقف النقل من كردفان ودارفور بسبب القتال والطرق غير الآمنة، فضلًا عن الإجراءات التي فرضتها حكومة الأمر الواقع بمنع تحرك البضائع إلى ولايات غرب السودان، إضافة إلى تضرر البنية التحتية لعمليات التصدير (المعابر الحدودية، والمرافئ الداخلية، والخدمات اللوجستية)، وتراجع مساحات المراعي الطبيعية بسبب المعارك، ونقص المياه والرعاية البيطرية في مناطق الإنتاج.

ونشطت في الفترة الأخيرة عمليات التهريب عبر دول الجوار، مستغلة حالة الفوضى لتهريب قطعان حية دون رقابة أو ضمانات جودة، ما قلّص حصيلة التصدير الرسمي وأضر بثقة المستوردين.

وسبق أن تحدث رئيس المجلس الرئاسي، الفريق أول محمد حمدان دقلو، في اجتماع مشترك مع رئيس الوزراء محمد الحسن التعايشي، عن ضرورة إيجاد حلول لتسويق الثروة الحيوانية، غير أن تلك الجهود لم ترَ النور بعد، كما أن خطة حكومة التعايشي بشأن الاقتصاد ما زالت غير واضحة.

ويرى مختصون في القطاع أن توجه حكومة السلام نحو تنظيم صادرات الثروة الحيوانية، وما تتخذه من إجراءات، سينعكس مباشرة على تحسين مواردها من العملات الأجنبية، وينعش القطاع التجاري الذي واجه صعوبات متزايدة مع اشتداد المواجهات العسكرية في الفترة السابقة.

ويشير بعض المراقبين المحليين إلى ضعف التنظيم في مناطق الإنتاج، رغم توافر ثروة حيوانية كبيرة، ما جعل هذه الثروة عرضة للتشتت وفقدان القيمة في غياب إدارة مركزية فعّالة.

أما مصر، التي تُعد من أهم مستوردي الماشية السودانية، فقد شهدت ضغطًا على إمداداتها من المواشي والجلود، ما اضطر تجارًا ومستهلكين إلى البحث عن بدائل أو الاستفادة من أسواق أخرى.

وفي دول الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية، تراجعت تفضيلات بعض المستوردين للمواشي السودانية لصالح مورّدين من دول أكثر استقرارًا، ما أثر سلبًا على العائدات من النقد الأجنبي.

ويواجه قطاع الثروة الحيوانية في كردفان ودارفور تحديات كبيرة، من بينها التهريب والجوانب الأمنية، حيث تصاعدت عمليات التهريب مستغلة التفكك الإداري والأمني.

ويؤكد مختصون أن عودة التصدير الرسمي تعتمد على وجود آليات فعّالة لمكافحة التهريب وتأمين الطرق والمعابر. ويقترحون خطوات عملية لانتشال القطاع، تشمل تأمين طرق التصدير، وتقديم دعم بيطري للمربين، وتشكيل لجان مشتركة مع الدول المستوردة لضمان جودة الشحنات، وإطلاق برامج تمويلية تمكّن الشركات الصغيرة من الاستمرار حتى عودة الاستقرار.

كما يُنصح بتكثيف الرقابة على الحدود وتعزيز التعاون الإقليمي للحد من التهريب.

وتبقى أزمة صادرات الثروة الحيوانية في السودان أكثر من مجرد مسألة تجارية، إذ تعكس صراعًا أعمق يؤثر على سبل عيش آلاف الأسر ويهز العلاقات التجارية الإقليمية.

وفي ظل هذه التحديات، يظل استئناف صادرات الثروة الحيوانية مرهونًا بتحقيق الاستقرار، وتأمين طرق النقل، ومحاربة التهريب، إلى جانب إصلاحات إدارية واقتصادية عاجلة، بما يعيد للقطاع دوره الحيوي في دعم الاقتصاد الوطني وتحسين سبل عيش المنتجين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.