الحركة الإسلامية: كذبة الوطن الكبرى في زمن الحرب

د. التوم حاج الصافي زين العابدين .

الحركة الإسلامية في السودان ليست تيارًا أُقصي ظلمًا، ولا قوة “عادت” لحماية الدولة ساعة الخطر. هي أصل الخراب، وعقله المدبّر، واليد التي أشعلت النار ثم خرجت تصرخ: الحريق مؤامرة.
منذ انقلاب 30 يونيو 1989، بدأ كل شيء بالكذب. كذبوا على الشعب، وعلى الجيش، وعلى التاريخ. قالوا “لا سياسة لنا”، ثم حكموا ثلاثين عامًا بالتمكين، لا بالكفاءة؛ وبالولاء، لا بالقانون. فصلوا الناس باسم “الصالح العام”، فصار العام خاصًا، والدولة ملك تنظيم، والمؤسسات هياكل خاوية.
أنشأوا بيوت الأشباح، وعذّبوا السودانيين في قلب العاصمة. ليست روايات خصوم، بل شهادات أحياء. رفعوا راية الدين، بينما كانت الكهرباء والسياط لغتهم مع كل من قال “لا”. ثم أشعلوا حرب الجنوب باسم الجهاد، قدّموا الشباب قرابين، وانتهوا إلى انفصالٍ مزّق الوطن. وعندما جاء دور دارفور، سلّحوا المليشيات، وفتحوا أبواب القتل والاغتصاب والحرق. جرائم موثّقة، أرقامها معروفة، ومطلوبوها ملاحقون. هذا سجل دولة، لا “أخطاء أفراد”.
اقتصاديًا، نهب منظّم: بترول بلا أثر، ذهب بلا حساب، أراضٍ تُمنح، وبنوك تُغسل. مشروع الجزيرة دُمّر، الجنيه انهار، والناس أفقر، بينما قيادات التنظيم راكمت الثروات. لم تُبنَ دولة، بُنيت شبكة مصالح.
ثم جاء السقوط في ديسمبر. لم يعتذروا، لم يعترفوا، لم ينسحبوا. أعادوا التموضع. واليوم، في هذه الحرب، يظهر خداعهم بأوضح صوره.
يزوّرون الرواية ليل نهار: يقلبون الجناة “حماة”، ويخفون دورهم في تسييس الجيش وتفكيك الدولة. يختبئون خلف القوات المسلحة، كأنهم لم يكونوا أول من أضعفها بالتمكين والإحالات والتسييس. يتاجرون بالدين مجددًا: “فتنة”، “خوارج”، “أعداء الوطن”—لغة جاهزة لإسكات الأسئلة ومنح حصانة زائفة.
يصنعون أعداءً وهميين: ثوار، مدنيون، لجان مقاومة، صحفيون. كل من يسأل: كيف وصلنا هنا؟ يصبح خائنًا. ينكرون مسؤوليتهم التاريخية ويتحدثون كمعارضة بريئة، كأن ثلاثين عامًا لم تمر، وكأن الانقلاب لم يحدث. يستثمرون معاناة المدنيين بالخطاب، بينما هم من بنى دولة بلا مؤسسات تحمي المدنيين أصلًا. هذا ليس دفاعًا عن الوطن؛ هذا هروب من المحاسبة.
ما يفعلونه الآن ليس توبة ولا مراجعة. إنه إعادة تدوير للكذبة نفسها في ظرفٍ أكثر دمًا. يراهنون على خوف الناس وذاكرتهم القصيرة. لكن الحقائق لا تُمحى بالدعاية.
الخلاصة القاسية:
من سرق الدولة لا يحق له ادعاء حمايتها.
من شوّه الدين لا يصلح واعظًا.
من أشعل الحروب لا يُصدّق حين يتحدث عن السلام.
الحركة الإسلامية ليست جزءًا من الحل—هي جذر الأزمة. وأي مستقبل للسودان بلا كشف حساب وعدالة حقيقية هو استمرار للكذبة، لا نهاية لها.
السودانيون لم يثوروا عبثًا.
والتاريخ لا ينسى.
وهذه الحرب—مهما حاولوا—فضحتهم مرة أخرى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.