بعد تداول الخبر المرفق بالصورة، والذي ينقل تصريحاً لوزير الثروة الحيوانية عن تدفق مرتقب بقيمة 121 مليار دولار لتمويل مشاريع داخل البلاد، لا يمكن التعامل مع الأمر بوصفه مادة إعلامية عابرة. فمثل هذه التصريحات — حين تُطرح بهذا الحجم — تتحول إلى نص سياسي يستوجب القراءة والتحليل، لا التلقي الصامت.
المسألة ليست في الرقم وحده،
ولا في الشخص الذي نطق به،
بل في البنية الذهنية التي تنتج خطاباً اقتصادياً منفصلاً عن الواقع المادي للدولة.
فالأرقام في السياسة الاقتصادية ليست أدوات إثارة، بل مؤشرات على قدرة فعلية، وتوازنات مالية، ومسارات تمويل محددة. وعندما يُطرح رقم بحجم 121 مليار دولار دون شرح لمصادره، أو أدوات تدفقه، أو قطاعات استيعابه، فإننا لا نكون أمام خطاب سياسات عامة، بل أمام ممارسة رمزية تستهدف أثر الرقم لا معناه.
لنضع الرقم في سياقه الواقعي
بلغت ميزانية السودان قبل اندلاع الحرب في عام 2023 نحو 14 مليار دولار فقط- وهو الحجم المالي الفعلي للدولة بكل مؤسساتها وخدماتها.
وللمقارنة، فإن ميزانية دولة مثل الكويت- إحدى الدول الغنية المستقرة اقتصادياً- تبلغ نحو 124.7 مليار دولار سنوياً.
أي أن الرقم المتداول يقارب ميزانية دولة نفطية متقدمة بالكامل، ويتجاوز عدة مرات قدرة الاقتصاد السوداني نفسه.
هنا يتجاوز الأمر حدود المبالغة السياسية ليصبح مؤشراً على خلل في صناعة الخطاب العام. فالخبير حين يتحدث عن استثمارات بهذا الحجم يقدم عادة:
مصادر التمويل
آليات التدفق
القطاعات المستهدفة
الإطار الزمني
القدرة المؤسسية على الاستيعاب
أما الخطاب الذي يكتفي بإطلاق رقم ضخم دون بنية تفسيرية، فهو خطاب تعبوي لا اقتصادي.
فالاقتصاد لا يُدار بالأمنيات،
ولا تُستدعى التدفقات المالية عبر المنابر الإعلامية،
بل عبر استقرار سياسي، ومنظومة مصرفية فاعلة، وبيئة قانونية موثوقة، وبنية تشغيلية قادرة على استقبال الاستثمار.
إن أخطر ما في هذا النمط من الخطاب أنه لا يضلل المتلقي فحسب، بل يعيد تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع، حيث تتحول الدولة إلى منصة وعد، والمواطن إلى متلقٍ للرقم، والواقع إلى تفصيل ثانوي.
ومن هنا يأتي معنى العنوان — ليس توصيفاً للأفراد، بل نقداً لنمط سياسي يخاطب داعمي استمرار الحرب عبر صناعة وعود رقمية تُقدَّم كبدائل للسياسات الواقعية.
الدولة لا تُدار بالقطيع،
والاقتصاد لا يُبنى بالشعارات الرقمية،
والأرقام التي لا تستند إلى واقع لا تعكس قوة — بل تكشف فراغاً معرفياً.
هذه ليست معركة أرقام،
بل معركة عقل سياسي يختار بين فهم الواأو صناعة الوهم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.