السودان: سلام “الغرف المغلقة” وفاتورة الدم المؤجلة

النور آدم سلمان

​بينما تنشغل منصات التواصل الاجتماعي بضجيج المعارك وصيحات “البل” و”الجغم”، وتغرق الشاشات في تحليلات عسكرية لا تلمس من الحقيقة إلا قشورها، تدور في الكواليس العميقة رحى حرب من نوع آخر؛ حرب الدبلوماسية الصامتة والصفقات التي تُطبخ على نار هادئة بعيداً عن أعين الكاميرات.
​الحقيقة التي يدركها القليلون -ممن لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة- هي أن خارطة الطريق لمستقبل السودان لا تُؤخذ من البيانات الصحفية، بل من “الحقائب الدبلوماسية” التي تنتقل في صمت بين العواصم.
​دبلوماسية “تحت الطاولة”
​منذ أكثر من شهر، والواقع يشير إلى وجود اتفاق سري بدأت بنوده الأولية تجد طريقها للتنفيذ على الأرض. هذه التحركات ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج “زيارات مكوكية” ولقاءات جرت في مستويات عليا جداً، تم إحاطتها بسياج من السرية التامة لضمان نضجها بعيداً عن ضغوط الرأي العام أو محاولات العرقلة من الأطراف المستفيدة من استمرار الفوضى.
​إن هذا “السلام القادم” لا يبدو أنه سيعلن عنه بمراسم احتفالية كبرى في بدايته، بل سيفرض نفسه كأمر واقع من خلال تفاهمات ميدانية وسياسية تم الترتيب لها بدقة متناهية.
​من يدفع الثمن؟
​لكن السؤال الأخلاقي والسياسي الذي يطرح نفسه بقوة: إذا كان السلام يُصنع في الغرف المغلقة، فمن الذي سدد فاتورته؟ المؤلم في المشهد السوداني أن “التسويات التاريخية” غالباً ما تأتي على حساب الطرف الأضعف. الفاتورة الباهظة لهذا السلام الذي يلوح في الأفق قد سُددت بالفعل من:
​دماء الأبرياء الذين فقدوا أرواحهم في حرب لم يختاروها.
​أحلام النازحين واللاجئين الذين باتت بيوتهم مجرد ذكريات.
​العدالة التي قد يتم القفز فوقها في سبيل “الاستقرار السياسي”.
​صمت النخب وقلق الشارع
​إن انحصار المعلومات في فئة قليلة جداً يخلق فجوة كبيرة بين “صناع القرار” و”أصحاب الوجعة”. فالشعب الذي يواجه الرصاص والجوع يومياً يجد نفسه مغيباً عن مصيره، ينتظر ما ستسفر عنه طاولات التفاوض السرية، وكأن قدره أن يكون آخر من يعلم وأول من يدفع الثمن.
​ختاماً..
إن السلام، مهما كان ثمنه، يبقى مطلباً عزيزاً لكل سوداني، لكن السلام الذي يُبنى على أنقاض حقوق الضحايا وبتغييب تام للشفافية يبقى سلاماً هشاً. نحن أمام منعطف تاريخي؛ فإما أن يؤدي هذا الاتفاق “السري” إلى دولة حقيقية تضمد الجراح، أو يكون مجرد “هدنة مؤقتة” لإعادة ترتيب الأوراق، بينما يبقى المواطن البسيط هو “العملة” التي تُصرف على طاولة المصالح الكبرى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.