حرب الكرامة… قناع الأيديولوجيا في محرقة الوطن: ماذا يجني “الكيزان” من استطالة الصراع؟

محمد صالح محمد

بينما تطحن رحى الحرب ما تبقى من رمق في جسد الدولة السودانية وتتصاعد أعمدة الدخان من المدن المنكوبة يبرز سؤال جوهري يتجاوز ضجيج المدافع لمن تُدق أجراس هذه الحرب في الحقيقة؟ وتحت أي لافتة تُساق الجماهير نحو حتفها؟ إن مصطلح “حرب الكرامة” الذي أُطلق بعناية فائقة في غرف صناعة البروباغندا التابعة للحركة الإسلامية (الكيزان) ليس مجرد شعار تعبوي بل هو “مانيفستو” سياسي يهدف إلى إعادة تدوير نظام سقط شعبياً عبر بوابة “الشرعية العسكرية”.
أولاً: الهروب من استحقاقات الثورة …
المكسب الأول والأهم لتيار النظام البائد من هذه الحرب هو “تجميد التاريخ” لقد كانت ثورة ديسمبر 2018 تمضي نحو تفكيك بنية “الدولة الموازية” التي بناها الكيزان على مدار ثلاثة عقود جاءت الحرب لتقطع الطريق أمام أي مسار مدني ديمقراطي وتحول المشهد من “مطالبة بالحقوق والحريات” إلى “نداء للبقاء” مما يمنح النظام القديم فرصة ذهبية لوصم خصومه السياسيين بالخيانة مقابل تقديم نفسه كـ “حامي حمى المؤسسة العسكرية”.
ثانياً: إعادة التموضع داخل أجهزة الدولة …
استثمر “الكيزان” في حالة الفراغ الأمني والإداري التي خلفتها الحرب لإعادة كوادرهم إلى مفاصل الدولة خاصة في الأجهزة الأمنية والمنصات الإعلامية والدبلوماسية تحت لافتة “الاستنفار” ودعم الجيش و تسللت المليشيات الأيديولوجية (كتائب الظل والبرق الخاطف والبراء بن مالك وغيرها) لتصبح جزءاً من المعادلة الميدانية مما يجعل أي تسوية سياسية مستقبلاً مستحيلة دون الاعتراف بوجودهم كـ “شريك في النصر” أو “رقم صعب” في المعادلة الأمنية.
ثالثاً: المقايضة الوجودية (الأمن مقابل المحاسبة)…
من خلال تأجيج خطاب “حرب الكرامة” يسعى الكيزان إلى فرض مقايضة على المواطن السوداني إما القبول بعودتهم كظهير سياسي وأمني أو الفوضى الشاملة وتمزق البلاد. الحرب بالنسبة لهم هي “الغسالة” التي تُطهر سجلهم من جرائم الفساد والاستبداد وتحولهم من “مطلوبين للعدالة” إلى “مقاتلين في الخنادق”
رابعاً: عزل السودان وتغيير الحواضن الدولية …
تعمل اللغة السياسية العنيفة المرافقة للحرب على قطع الطريق أمام علاقات السودان مع المجتمع الدولي المتطلع للديمقراطية ودفع البلاد نحو محاور إقليمية ودولية تدعم الأنظمة الشمولية هذا العزل يخدم بقاء “الكيزان” لأنهم يقتاتون على الأزمات ويعجزون عن العيش في بيئة الانفتاح والشفافية.
إن المواطن السوداني الذي يدفع ثمن هذه الحرب من دمه وماله ونزوحه ولجوءه يجد نفسه أمام استراتيجية “الأرض المحروقة”؛ حيث لا يهم الكيزان ما يتبقى من السودان بقدر ما يهمهم من يحكم ما تبقى منه”حرب الكرامة” في منظورهم ليست استرداداً لسيادة منتهكة بل هي رحلة استعادة “الفردوس المفقود” على جثث الأبرياء وأنقاض الوطن.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.