لم يكن أشد المتفائلين يتصور أن غروب شمس تنظيم الكيزان في السودان سيُكتب بأيدي جيل ولد في عهد الإنقاذ وترعرع تحت سياطها. فمن شوارع السلمية الباسلة التي اقتلعت رأس النظام ومرغت أنف الكيزان وجيش الكيزان برقي أذهل العالم، إلى فيافي وبوادي السودان التي يخرج منها اليوم “شباب الأطراف” ليدكوا حصون المركزية التاريخية ومؤسساتها الفاسدة، نحن إذن أمام مشهد تاريخي مكتمل الأركان. حين سد الكيزان أفق السلمية باختيارهم خيار الدم وإشعال نيران الحرب، لم يدركوا أنهم يفتحون أبواب الجحيم على مشروع حسن الترابي المهتري الذي وصل لمحطة النهاية ومزبلة التاريخ. إن ما يحاول أفندية المركز اختزاله في قالب الجنجويد، هو في جوهره حراك عنيف لتفكيك بنية الدولة المركزية القديمة التي يحافظ عليها جيش عبارة عن مليشيا تتبع لمصر تحولت إلى جناح عسكري للحركة الإسلامية وأمانة من أماناتها، وتشييع مشروع الإسلام السياسي إلى مثواه الأخير، تماماً كما استبصر الأستاذ محمود محمد طه حين قرأ عقلية الإخوان وتنبأ بنهايتهم المأساوية بعد أن يذيقوا الشعب الأمرين.
هذه هي الثورة في خضم أهوالها وكلفتها الباهظة حين يبلغ عنف التاريخ مداه، وحين تعركنا الثورة المضادة عرك الرحى بثفالها، لتنتج من ركام الانهيار ميكانيزمات جديدة للصراع. إنها ثورة نضجت في رحم تراكم نضال طويل للسودانيين والصدف التاريخية والنوافذ الحرجة، وتآكل البنى القديمة وانقسامها، وأخطاء النظام القاتلة في إدارة لحظة الانهيار، هذا هو وجه الثورة الحقيقي، لا ذلك الرسم المتخيل في أذهان النخب المترفة في صالونات المركز الاسفيرية.
إن بوصلتنا اليوم واضحة ولا تقبل القسمة على اثنين، كقوة ثورية مدنية أنجزت النسخة السلمية من الثورة إزالة رأس النظم بنجاح منقطع النظير، وينجز تفكيك بنية النظام الإخواني والتمكين الكيزاني أبناء البدو والارياف والمزارعين أصحاب المصلحة الحقيقية في أن تبلغ الثورة إلى محطة الحرية والسلام والعدالة الحقيقية، وتفكك بنية وتمكين الدولة المركزية القديمة التي يختبئ سرطان جذور الأزمة في بنيتها.
في خضم النسخة العنيفة من الثورة التي اختارها الكيزان، كمدنيين ثوريين نؤطر الصراع ونسوقه نحو نهايته، عبر الدعوة لوقف الحرب فوراً عبر التفاوض المسؤول الذي ينهي معاناة السودانيين ويبدأ بهدنة إنسانية وينتهي بدولة وحكومة مدنية وفق مبادئ الرباعية. وفي حال تعنت الثورة المضادة كيزان وجيش وحركات ومليشيات قبلية وكيزانية وبلابسة، وشيوعيين فلا خيار غير الإخضاع إذا استمر تعنت الكيزان وفلول الثورة المضادة في ممارسة المقامرة بمصير الشعب السوداني الذي يذيقونه الأمرين فعلا.
الحقيقة التي يجب أن يعلمها الجميع، هو أن الثورة ذهبت عميقا في تفكيك البُنى القديمة وبناء السودان الجديد ودولة لا مركزية، عبر تفكيك كلي لمؤسسات الدولة القديمة لصالح دولة مدنية ديمقراطية، تصيغ مطالب الجماهير في حرية، سلام، وعدالة ضمن عقد اجتماعي شامل، وتدشين مشروع وطني نهضوي يفجر الطاقات المادية والبشرية الكامنة للسودان والسودانيين، ليقدم السودان للعالم نموذجاً ملهماً في الانبعاث من الرماد وصناعة المستقبل.
انتهت خزعبلات الافندية وتبقت حلول الثورة في مواجهة الثورة المضادة التي تعيش أضعف حالاتها. والثورة التي لم تتخط الخطوط الحمراء المصرية ليست ثورة، وإنما تغيير داخل شروط المركز حيث جذور الأزمة وتدويرها.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.