ضغوط الخارج وتشدد الداخل… من يعرقل وقف إطلاق النار في السودان؟

تقرير: عين الحقيقة

يتواصل التصعيد الميداني والتجاذب السياسي في السودان، في وقت تتكثف فيه التحركات الإقليمية والدولية لدفع الأطراف المتحاربة نحو وقفٍ إنساني لإطلاق النار، وسط تباين واضح في المواقف وشروط التهدئة. والخميس الماضي، جدّد رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رفضه الموافقة على هدنة قبل انسحاب قوات الدعم السريع من المدن. وقال البرهان، مخاطبًا حشدًا جماهيريًا خلال فعالية العيد الوطني لتحرير أم درمان، إن أي ترتيبات لوقف إطلاق النار يجب أن تسبقها إعادة تموضع القوات المتمردة خارج المناطق الحضرية، مؤكدًا رفضه أي وساطة من دولة تدعم الدعم السريع، في إشارة إلى دولة الإمارات، بحسب تعبيره.

سياسيًا، تبادلت قيادات الطرفين اتهامات حادة زادت من تعقيد المشهد؛ إذ اتهم رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوحدة والسلام الفريق أول محمد حمدان دقلو قائدَ الجيش بالسعي لاستقدام مقاتلين من الصومال للمشاركة في الحرب..

ويأتي موقف البرهان في وقت تسعى فيه اللجنة الرباعية المعنية بالأزمة السودانية، التي تضم السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة، إلى مواصلة جهودها للتوصل إلى وقفٍ إنساني لإطلاق النار، مع دعوات لطرفي النزاع للانخراط في العملية دون شروط مسبقة، بما يتيح إيصال المساعدات وتخفيف معاناة المدنيين.
ميدانيًا، شهدت عدة مناطق تصعيدًا لافتًا في الهجمات بالطائرات المسيّرة خلال اليومين الماضيين. وأفادت مصادر محلية بأن طائرة مسيّرة استهدفت مدينة الدويم بولاية النيل الأبيض، ما أثار حالة من الهلع وسط السكان، دون صدور بيانات رسمية بشأن حجم الخسائر البشرية أو المادية.
كما تحدثت مصادر عن استهداف منزل والي ولاية غرب كردفان في مدينة الأبيض بمسيّرات، فيما أعلن الجيش إسقاط ثلاث مسيّرات انقضاضية قال إن قوات الدعم السريع أطلقتها على المدينة ذاتها، فضلًا عن تدمير منظومة تشويش تابعة للدعم السريع في مدينة النهود.
ويعكس تصاعد استخدام المسيّرات تحولًا في طبيعة المواجهات، مع تزايد المخاوف بشأن سلامة المدنيين والبنية التحتية الحيوية، في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب التهدئة.
سياسيًا، تبادلت قيادات الطرفين اتهامات حادة زادت من تعقيد المشهد؛ إذ اتهم رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوحدة والسلام الفريق أول محمد حمدان دقلو قائدَ الجيش بالسعي لاستقدام مقاتلين من الصومال للمشاركة في الحرب، كما تحدث عن وجود “قوات أجنبية” في الولاية الشمالية، متوعدًا بمواجهتها ميدانيًا.
وفي خطاب ألقاه أمام الجالية السودانية بمدينة عنتيبي الأوغندية، اعتبر دقلو أن الصراع القائم هو “خلاف سلطة”، محمّلًا ما وصفها بالحركة الإسلامية والتنظيم العالمي للإخوان المسلمين مسؤولية تأجيج الحرب. واتهم البرهان بتلقي توجيهات من قيادات في النظام السابق، وسمّى من بينهم أحمد هارون وعلي كرتي.
كما انتقد دقلو ما وصفه بالاستخدام الانتقائي للشريعة، مشيرًا إلى قضية إعدام المفكر السوداني محمود محمد طه، ومعتبرًا أن تطبيق الشريعة تم توظيفه سياسيًا. في المقابل، لم يصدر تعليق فوري من الجيش على الاتهامات المتعلقة باستقدام مقاتلين أجانب.
ورغم حدة الخطاب، أكد دقلو أنهم لا يرفضون أي مبادرة سلام، معلنًا تأييده لخطة طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومشيرًا إلى تسليم مسودة مقترح إلى الجانب الأميركي، مع دعم جهود الآلية الرباعية، ومشددًا على أن الهدف النهائي هو الوصول إلى تسوية تنهي الحرب.
ويضع هذا التباين بين التصعيد الميداني والتصريحات السياسية مساعي وقف إطلاق النار أمام تحديات متزايدة، إذ يتمسك كل طرف بشروطه المسبقة وروايته للأحداث، فيما تتسع رقعة المعاناة الإنسانية جراء استمرار القتال وتدهور الأوضاع الخدمية والاقتصادية.
ويرى مراقبون أن نجاح أي مبادرة يتطلب إجراءات بناء ثقة متبادلة، تشمل وقف الهجمات على المدن، وضمانات انسحاب قوات الأطراف المتصارعة من المناطق السكنية، إضافة إلى توافق إقليمي يحد من الاستقطاب.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، يقف السودان على مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تنتصر لغة السلاح فتتعمّق الجراح وتتسع دائرة الانهيار، وإما أن تتقدّم الإرادة السياسية على الحسابات الضيقة، فتُمنح البلاد فرصة حقيقية لالتقاط أنفاسها واستعادة مسار الدولة. وحتى تتغلب مصلحة الوطن على رهانات القوة، سيبقى وقف النار معلقًا بين ضغوط التهدئة ووقائع الميدان المتسارعة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.