الحركة الإسلامية السودانية: شبكة الإرهاب الخفية التي تستحق التصنيف الأمريكي
تقرير: عين الحقيقة
أدرجت الإدارة الأمريكية جماعة الأخوان المسلمين في عدد من الدول على قائمة الإرهاب. واليوم، تبرز أدلة متزايدة تستدعي خطوة مماثلة تجاه الحركة الإسلامية السودانية، التي نسجت على مدى أكثر من ستة عقود شبكة من الذراع الأيديولوجية والمالية والأمنية تمتد من الخرطوم إلى عواصم غربية عدة.
بين عامَي 1991 و1996، استضافت الخرطوم أسامة بن لادن وأتاحت له إنشاء قواعد تدريب لتنظيم القاعدة على الأراضي السودانية، وكان ذلك بقرار مباشر من قيادة الحركة الإسلامية السودانية..
تأسست الحركة الإسلامية السودانية عام 1954 على يد الراحل حسن الترابي امتداداً مباشراً لجماعة الإخوان المسلمين، وظلت لعقود تعمل في الظل حتى وصلت إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في يونيو 1989 أطاح بالحكومة المنتخبة. ومنذ ذلك الحين، حكمت السودان ثلاثة عقود كاملة، راكمت خلالها سجلاً حافلاً بدعم الإرهاب الدولي لا يكاد يُضاهيه سجل أي حركة سياسية أخرى في القرن العشرين.
الأرقام وحدها تروي حجم الكارثة. فخلال الفترة الممتدة بين عامَي 1989 و2019، راح ضحية الحروب الأهلية التي أشعلتها الحركة الإسلامية السودانية أو غذّتها ما يزيد على مليوني شخص في جنوب السودان وحده، فيما شرّدت الحرب في دارفور ما لا يقل عن ثلاثة ملايين مدني بين عامَي 2003 و2010، وأودت بحياة ما يتراوح بين 200 ألف و400 ألف شخص وفق تقديرات الأمم المتحدة، وهو ما وصفه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول صراحةً بالإبادة الجماعية. أما الحرب الدائرة حالياً منذ أبريل 2023، فقد أنتجت بحسب تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، إذ تجاوز عدد النازحين داخلياً 10 ملايين شخص، فيما لجأ أكثر من مليون ونصف المليون إلى دول الجوار.
وفيما يخص دعم الإرهاب الدولي الموثق، فإن السجل لا يقبل الجدل. بين عامَي 1991 و1996، استضافت الخرطوم أسامة بن لادن وأتاحت له إنشاء قواعد تدريب لتنظيم القاعدة على الأراضي السودانية، وكان ذلك بقرار مباشر من قيادة الحركة الإسلامية السودانية ممثلةً في الترابي الذي أعلن دعمه لبن لادن علناً. وفي عام 1993، صنّفت وزارة الخارجية الأمريكية السودان دولةً راعيةً للإرهاب، مستندةً إلى أدلة دامغة على تورط الحركة في دعم جماعات إرهابية متعددة تشمل حماس وحزب الله وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني وجماعة أبو نضال. وقد قدّر محققو وزارة الخزانة الأمريكية في وقت لاحق أن الأموال التي مرّت عبر الشبكات المالية المرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية دعماً للإرهاب الدولي خلال التسعينيات تجاوزت 300 مليون دولار.
ولفهم طبيعة الحركة الإسلامية السودانية، لا بد من التوقف عند ذراعها التنفيذية الأبرز، جهاز الأمن والاستخبارات الوطني، الذي أسسته الحركة بعد وصولها للسلطة ليكون درعها الواقية وسيفها الضارب. وقد وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير صدر عام 2009 تحت عنوان “تحت ستار المراقبة” كيف نفّذ هذا الجهاز عمليات اغتيال واختفاء قسري طالت أكثر من 3000 ناشط ومعارض سوداني خلال الفترة الممتدة بين عامَي 1989 و2000. وقد مُوّل هذا الجهاز جزئياً من خلال شبكة مؤسسات اقتصادية غطاء تشمل بنك التضامن الإسلامي الذي تأسس عام 1983 وتشير التقارير إلى أنه خصص ما يزيد على 40 مليون دولار لتمويل عمليات الجهاز خلال التسعينيات، فضلاً عن شركة الراجحي المحدودة ومجموعة من الشركات الاستثمارية التي يُقدَّر مجموع أصولها بأكثر من 800 مليون دولار.
من أبرز هذه الكيانات بنك فيصل الإسلامي السوداني الذي تأسس عام 1977 وبلغت أصوله في أوج نفوذ الحركة ما يزيد على مليار دولار، وشركة الإسلامية للاستثمار الحيواني التي تولّت إدارة جزء كبير من ثروة السودان الحيوانية..
أما على صعيد الذراع الاقتصادية للحركة، فتبرز مجموعة الشركات والمؤسسات المالية المرتبطة بها بوصفها ظاهرة استثنائية في تاريخ الحركات الإيديولوجية. فقد أسست الحركة عقب وصولها للسلطة ما يُعرف بـ”اقتصاد المكنة”، إذ استولت على مؤسسات الدولة ووظّفت مواردها لصالح شبكتها. ومن أبرز هذه الكيانات بنك فيصل الإسلامي السوداني الذي تأسس عام 1977 وبلغت أصوله في أوج نفوذ الحركة ما يزيد على مليار دولار، وشركة الإسلامية للاستثمار الحيواني التي تولّت إدارة جزء كبير من ثروة السودان الحيوانية المقدرة بعشرات الملايين من الرؤوس، وهيئة الزكاة التي تحوّلت في عهد الحركة من مؤسسة خيرية إلى أداة تمويل سياسي بميزانية سنوية تجاوزت 50 مليون دولار في أواخر التسعينيات.
وعلى صعيد الذراع الأيديولوجية والتعليمية، أسست الحركة الإسلامية السودانية شبكة مدارس ومعاهد دينية لا تزال تعمل حتى اليوم. فجامعة أم درمان الإسلامية التي خضعت لسيطرة كوادر الحركة طوال سنوات الإنقاذ، خرّجت عشرات الآلاف من الطلاب على مناهج أيديولوجية محددة، فيما أنشأت الحركة ما يزيد على 500 مدرسة خاصة تعمل بمناهج موازية للمناهج الرسمية في مختلف أنحاء السودان. وقد رصدت تقارير وزارة التربية والتعليم السودانية في الفترة الانتقالية بين عامَي 2019 و2021 أن نحو 1.2 مليون طالب يتلقون تعليمهم في مؤسسات تابعة أو مرتبطة بالحركة.
والأخطر من ذلك كله هو ما يتعلق بمحاولات الحركة الإسلامية السودانية الحفاظ على نفوذها بعد سقوط البشير. فعلى الرغم من أن ثورة ديسمبر 2018 أطاحت بالنظام رسمياً، فإن كوادر الحركة نجحت في الحفاظ على حضور عميق في مفاصل الدولة. وقد كشفت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو التي شكّلتها الحكومة الانتقالية أن الحركة الإسلامية السودانية وظّفت خلال ثلاثة عقود من الحكم ما يزيد على 60 ألف كادر في الأجهزة الأمنية والعسكرية والمدنية، وأنها تمتلك شبكة من الشركات والأصول تقدّر قيمتها بأكثر من 4 مليارات دولار موزعة بين السودان وعدد من الدول الأفريقية والخليجية والغربية.
والأدلة تشير إلى أن الصراع العسكري الدائر منذ أبريل 2023 لا يمكن فصله عن مساعي الحركة الإسلامية السودانية لاستعادة نفوذها المفقود. فقد وثّق تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة الصادر في أكتوبر 2023 تدفق أسلحة وأموال عبر شبكات ترتبط بكوادر الحركة إلى أطراف الصراع، كما رصدت تقارير استخباراتية غربية عدة اجتماعات سرية عقدتها قيادات الحركة في الخرطوم والقاهرة وأبوظبي بهدف التأثير في مسار الحرب لصالح استعادة موقعها في المشهد السياسي.
العديد من الحلفاء المقربين للولايات المتحدة، بما في ذلك مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، يصنّفون الحركة الإسلامية السودانية وامتداداتها منظماتٍ إرهابيةً أو ذات طابع تخريبي..
إن المنتقدين يحذرون من أن تصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمة إرهابية سيؤدي إلى تنفير حلفاء الولايات المتحدة وخنق التنوع السياسي، غير أن هذه الادعاءات تفتقر إلى أساس. فالعديد من الحلفاء المقربين للولايات المتحدة، بما في ذلك مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، يصنّفون الحركة الإسلامية السودانية وامتداداتها منظماتٍ إرهابيةً أو ذات طابع تخريبي. بل إن الحكومة الانتقالية السودانية ذاتها، وبتشجيع أمريكي في مراحل متعددة، فتحت ملفات قانونية بحق قيادات الحركة بتهم الفساد وتمويل الإرهاب.
إن تصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمة إرهابية من شأنه أن يُجفّف منابع التمويل الدولية التي لا تزال تغذيها، وأن يُجرّم التعامل مع شبكتها الاقتصادية الممتدة، وأن يُرسل رسالة واضحة إلى الفاعلين الإقليميين بأن الولايات المتحدة لن تتسامح مع الجماعات التي تستخدم الدين غطاءً لتمويل الفوضى وزعزعة استقرار المنطقة. إذا كانت هناك رغبة حقيقية في وقف نزيف الدم السوداني وتحقيق استقرار دائم في منطقة الساحل وشرق أفريقيا، فإن الخطوة الأولى تبدأ بالاعتراف بأن الحركة الإسلامية السودانية ليست حزباً سياسياً تقليدياً، بل هي منظومة متكاملة جمعت يوماً ما بين السلطة والأيديولوجيا والعنف، ولا تزال تسعى للعودة إلى ذلك المزيج المميت. وربما يكون ترامب الشخص المناسب في الوقت المناسب لاتخاذ هذا القرار الذي طالما أحجم عنه سابقوه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.