الإسلاميون ودارفور: إرث الدم والإفلات من العقاب

تقرير: عين الحقيقة

تجددت الاتهامات الموجهة إلى عناصر الحركة الإسلامية السودانية «الإخوان المسلمين» بالضلوع في انتهاكات جسيمة خلال حرب دارفور التي اندلعت عام 2003، وخلفت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في أفريقيا خلال العقود الأخيرة.
وتسلط تقارير حقوقية وشهادات ناجين الضوء على حوادث وُصفت بأنها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها واقعة الاغتصابات الجماعية في المدارس واقتحام بيوت المدنيين في منطقة تابت بشمال دارفور، وأعمال القتل الواسعة التي شهدتها ولاية غرب دارفور في مراحل متعددة من النزاع المسلح.
خلال سنوات حكم الرئيس المعزول عمر البشير، الذي استند إلى تحالف سياسي وأمني وثيق مع الحركة الإسلامية، قامت الحكومة المركزية بتسليح وتعبئة مليشيات محلية لمواجهة الحركات المسلحة في دارفور.
وأشارت تقارير أممية ومنظمات دولية إلى أن العمليات العسكرية لم تقتصر على الاشتباكات مع المتمردين، بل امتدت إلى قرى ومناطق مدنية، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين واندلاع موجات نزوح جماعي داخل الإقليم وخارجه.
وذكر آلاف الضحايا في حرب دارفور لـ«عين الحقيقة» أن البنية التنظيمية للحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة ساهمت في توفير غطاء سياسي وأمني لتلك العمليات، في ظل غياب آليات مساءلة فعالة أو شفافة.
في أكتوبر 2014، برزت تقارير عن وقوع اعتداءات جنسية واسعة النطاق في منطقة تابت بشمال دارفور، حيث أفاد سكان ومنظمات حقوقية بأن قوات نظامية اقتحمت البلدة وارتكبت انتهاكات بحق نساء وفتيات على مدى عدة أيام.
وأثارت الحادثة اهتمامًا دوليًا واسعًا، خصوصًا بعد مطالبة بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور بالتحقيق في الانتهاكات. ورغم نفي السلطات السودانية آنذاك وقوع تلك الانتهاكات، أشارت تقارير حقوقية إلى أن فرق التحقيق واجهت قيودًا في الوصول إلى الضحايا والشهود، ما أثار تساؤلات حول شفافية الإجراءات ومدى استقلاليتها. وبقيت حادثة تابت رمزًا لاتهامات أوسع تتعلق باستخدام العنف الجنسي كأداة في سياق النزاع المسلح.
أما في غرب دارفور، فقد شهدت الولاية، ولا سيما مدينة الجنينة ومحيطها، موجات عنف دامية خلال سنوات الحرب، تجددت بصورة لافتة بعد سقوط نظام البشير عام 2019.
ووجّه ناشطون ومراقبون اتهامات لعناصر محسوبة على التيار الإسلامي بالمشاركة في تأجيج الصراع الأهلي وتسليح مجموعات محلية في إطار صراع نفوذ سياسي وأمني.
وأشارت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، وتدمير أحياء سكنية بالكامل، إضافة إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان إلى مناطق أكثر أمانًا أو إلى دول مجاورة.
إلى ذلك، برزت تقارير عن وقوع أعمال قتل جماعي استهدفت مجموعات إثنية بعينها، وهو توصيف قانوني شديد الحساسية يتطلب إثبات نية التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة محددة.
على المستوى الدولي، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق عمر البشير عام 2009 على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، ولاحقًا أضيفت تهمة الإبادة الجماعية.
كما شملت لوائح الاتهام مسؤولين آخرين في النظام السابق. وقد مثّلت هذه الخطوة سابقة في ملاحقة رئيس دولة أثناء توليه المنصب، لكنها لم تُترجم عمليًا إلى تسليم المتهمين في حينه.
وبعد الإطاحة بالبشير، تعهدت السلطات الانتقالية بالتعاون مع المحكمة، إلا أن التعقيدات السياسية والأمنية حالت دون تقدم سريع في مسار المحاسبة.
ويشير محللون إلى أن تفكيك شبكات النفوذ المرتبطة بالحركة الإسلامية داخل الأجهزة النظامية والاقتصادية يمثل تحديًا رئيسيًا أمام أي عملية عدالة انتقالية.
فالتداخل بين البنية الحزبية ومؤسسات الدولة، بحسب هؤلاء، جعل من الصعب تحديد خطوط واضحة للمساءلة، كما أسهم في استمرار حالة الاستقطاب السياسي. في المقابل، ينفي قادة في الحركة الإسلامية الاتهامات الموجهة إليهم، ويعتبرون أن ما جرى في دارفور كان نتيجة صراع مسلح مع حركات متمردة، وأن تحميل تيار سياسي بعينه مسؤولية جماعية عن الانتهاكات يمثل تعميمًا غير منصف.
وبين هذه المواقف المتباينة، يظل الضحايا والناجون محور القضية. إذ تؤكد منظمات مجتمع مدني أن آلاف الأسر ما زالت تعيش في مخيمات نزوح تفتقر إلى الخدمات الأساسية، وأن كثيرًا من الضحايا لم يحصلوا على تعويضات أو دعم نفسي أو اجتماعي كافٍ. ويرى خبراء قانونيون أن العدالة لا تقتصر على المحاكمات الجنائية، بل تشمل أيضًا كشف الحقيقة عبر لجان مستقلة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات.
بعد أكثر من عقدين على اندلاع النزاع، لا تزال دارفور تعاني من هشاشة أمنية وإنسانية عميقة في ظل استمرار التوترات المسلحة وتدهور الأوضاع الاقتصادية. ويؤكد مراقبون أن معالجة إرث الانتهاكات تتطلب إرادة سياسية واضحة، وتعاونًا جادًا مع الآليات الدولية، وإشراك المجتمعات المحلية في مسارات المصالحة.
كما يشددون على أن أي عملية انتقال سياسي مستدامة في البلاد لن تكتمل دون مواجهة صريحة لماضي دارفور وتحديد المسؤوليات بصورة قانونية عادلة تشمل جميع الأطراف المتورطة، أياً كانت انتماءاتها.
وفي ظل استمرار الحرب في البلاد اليوم، تتجدد المخاوف من إعادة إنتاج أنماط العنف ذاتها إذا لم تُستخلص دروس الماضي بجدية. فالمساءلة، بحسب خبراء، ليست مجرد مطلب أخلاقي، بل شرط أساسي لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ولإرساء أسس سلام دائم يحول دون تكرار المآسي التي طبعت تاريخ دارفور الحديث.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.