رهانات كمبالا… هل تتشكل خريطة اعتراف إقليمية جديدة؟

نورا عثمان

في خطوة تحمل أكثر من رسالة سياسية، وافقت السلطات في أوغندا على السماح بافتتاح مكتب تمثيل لـ”حكومة تأسيس” في العاصمة كمبالا، بحسب مصادر مطلعة. القرار، وإن لم يُعلن رسمياً حتى الآن، يأتي بعد زيارة رئيس المجلس الرئاسي الفريق أول محمد حمدان دقلو إلى كمبالا بدعوة من الرئيس يوري موسيفيني، ما يضفي على الخطوة بعداً سياسياً يتجاوز الطابع الإداري لافتتاح مكتب تمثيلي. فالمسألة هنا ليست مجرد عنوان دبلوماسي، بل مؤشر على إعادة تموضع إقليمي في التعاطي مع الأزمة السودانية، ومحاولة قراءة موازين القوى الجديدة على الأرض.إذا ما صحت التوقعات بإمكانية أن تحذو عواصم مثل أنجمينا وأديس أبابا ونيروبي الخطوة ذاتها، فإننا أمام ملامح اصطفاف إقليمي يتشكل بهدوء، قد يفتح الباب أمام اعتراف سياسي تدريجي بكيان جديد يسعى لتثبيت حضوره خارجياً. غير أن هذا الحراك يطرح في الوقت نفسه أسئلة معقدة: هل تمهد هذه المكاتب لمسار تسوية شاملة، أم تعمّق من انقسام الشرعيات داخل السودان؟ دول الجوار، التي تستضيف آلاف اللاجئين والفاعلين السياسيين منذ اندلاع الحرب، تدرك أن استقرار السودان ليس شأناً داخلياً فحسب، بل ركيزة لأمن منطقة البحيرات العظمى وشرق أفريقيا. وبين ضرورات الواقعية السياسية ومخاطر تكريس الانقسام، يبقى الرهان الحقيقي على أن تتحول هذه التحركات إلى جسور للحل، لا منصات لإطالة أمد الصراع.

غير أن أخطر ما في هذه الخطوة لا يكمن فقط في بعدها الرمزي، بل في توقيتها السياسي. فالسودان يعيش لحظة سيولة غير مسبوقة في مفهوم الشرعية والتمثيل، وأي اعتراف – ولو غير مباشر – بكيانات موازية قد يعيد رسم خطوط التفاوض مستقبلاً. إذ أن فتح مكاتب تمثيلية في عواصم إقليمية يمنح “حكومة تأسيس” مساحة حركة دبلوماسية، ويعزز قدرتها على مخاطبة المنظمات الإقليمية والدولية، وربما التأثير في أجندة الوساطات الجارية. وهذا التطور قد يضع القوى المدنية السودانية أمام معادلة أكثر تعقيداً، خاصة إذا تكرس واقع تعدد المنابر والمرجعيات السياسية خارج الحدود.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن دول الجوار تتحرك وفق حساباتها الأمنية والاستراتيجية الخاصة. فالحرب السودانية ألقت بظلالها الثقيلة على الإقليم، من تدفقات اللاجئين إلى مخاوف انتشار السلاح والجماعات المسلحة عبر الحدود. ومن هذا المنظور، قد ترى بعض العواصم أن الانخراط المباشر مع مختلف الأطراف هو خيار براغماتي لتأمين مصالحها ومنع الفراغ. غير أن المعضلة تبقى قائمة: هل يسهم هذا الانفتاح في دفع الأطراف نحو تسوية سياسية شاملة، أم أنه يعمّق واقع الانقسام ويؤسس لمرحلة طويلة من التوازنات الهشة؟ الإجابة ستتوقف على ما إذا كانت التحركات الإقليمية ستُترجم إلى ضغط حقيقي نحو السلام، أم ستبقى جزءاً من لعبة إعادة التموضع في صراع لم تتضح نهاياته بعد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.