الجنرال التائه عبد الفتّاح البرهان والرقص على رؤوس الثعابين

الصادق حمدين

عبارة: (مافي مجد للساتك تاني …المجد للبندقية دي بس تاني) التي أطلقها الجنرال الحالم، عبد الفتاح البرهان في ذروة ثقته بالوضع الميداني، لم تكن مجرد جملة عابرة ولم يكن “كلام ليل يمحوه نهار”، بل كانت تعبيراً مكثفاً عن رؤية كاملة لإدارة الصراع باعتبار أن الشرعية تُنتزع بالقوة، وأن السلاح هو الحكم الأخير بين الفرقاء.
في تلك اللحظة، بدا كأن المعركة مع قوات الدعم السريع ستُحسم بمنطق “الحفر بالإبرة”، وأن من يملك البندقية يملك الحاضر ويصادر المستقبل أيضاً بعد أن دمر الماضي.
وفي لحظة زهو كاذبة رفع الجنرال المنتفخ وهماً صوته عالياً، كمن يظن أن صدى الرصاص يُغني عن صدى الشرعية، وأن هدير البنادق يكفي ليُخرس التاريخ.
لكن ما إن تبدلت الرياح حتى تبدّل معها الخطاب، فإذا بالشعارات التي كانت تتم تلاوتها على وقع المدافع تمّ استبدالها على عجل بعبارات منمقة عن الدولة المدنية والشراكة والثورة ورموزها.
ثم أصبح الشعار الجديد فجأة ودون تمهيد “المجد للساتك، فلتخرس البندقية”.
هكذا تبدو الانتهازية السياسية حين تخلع بزتها العسكرية لترتدي ثوباً مدنيا مستعاراً، لا حباً في القيم، بل اتقاء للزلزال القادم.
الانتهازي لا يسير مع المبدأ، بل مع موازين القوى.
يقيس أخلاقه بميزان اللحظة، ويبدل لغته كمن يبدّل موقعه في مائدة القمار معتقداً أن حظه سيتغير ليعوض ما خسره في مكانه القديم.
فإن ظن أن الغلبة للبندقية مجّدها، وإن خاف من عزلة إقليمية أو ضغط دولي، استعان بمفردات الثورة وتودد إلى من خاصمهم وقتلهم وسجنهم وشردهم بالأمس.
إنه لا يرى في السياسة عهداً، بل صفقة، ولا في الدم خطيئة لا تُغتفر، بل رقماً قابلا للنسيان كأن شيئاً لم يكن.
هذا التحول لا يُقرأ باعتباره مراجعة فكرية عميقة بقدر ما يُفهم، عند كثيرين، كتكتيك سياسي مرحلي فرضته الضرورة.
أما القوى الثورية التي دفعت من أرواح أبنائها أثماناً لا تُحصى، وسارت فوق دروب معمدة بالدم والألم في مسار طويل من التضحيات والاحتجاجات والانقلابات والانتكاسات، ومنعرجات الغدر والخيانة، فكيف يُطلب منها أن تتعامل مع هذا التبدّل وكأنه صفحة يمكن طيّها؟
إن ذاكرة الدم لم تجف بعد، وصور الإخوة والرفاق الغرقى في أعماق عتمة النيل، وقد عُلِّقت أجسادهم بكتل أسمنتية لتبقيهم في القاع إلى الأبد، لا تزال شاهدة تصرخ في الوجدان.
تلك ليست وقائع يتم وضعها على أرفف متحف النسيان، بل جراح مفتوحة تنبض بالغضب حتى يوم الحساب الذي هو آت بلا شك أو ريب.
فأي منطقٍ هذا الذي يزعم أن الفظائع يمكن أن يتم محوها بلا مساءلة؟
وكيف يُنتظر من الثوار أن يتجاوزوا ذلك اليوم المشؤوم، يوم تم فيه فض اعتصام القيادة العامة وتبدّل وجه التاريخ إلى الأبد؟
في ذلك اليوم انكسرت المعاني، وتحوّلت كلمة التسامح من فضيلة أخلاقية إلى مرادف للخيانة إن لم تقترن بالقصاص.
لا صلح مع الدم المسفوك، ولا مصالحة فوق جماجم الشهداء؛ فإما عدالة كاملة تُعيد للضحايا اعتبارهم، وإمّا أن يبقى الجرح مفتوحاً شاهراً ذاكرته في وجه كل دعوة للنسيان.
غير أن من يظن أنه أمسك برؤوس الأفاعي وأحكم القبضة عليها، يغفل حقيقة لا تتبدّل.
السمّ لا يؤتمن، وإن لان الملمس.
فالأفاعي، مهما بدت وادعة عند التقلب، تظلّ تحمل العطب في أنيابها.
فهي لا يتم ترويضها بيد عارية، ولا تغيِّر طبيعتها لأن أحداً قرّر أن يتحالف معها.
إنّ التحالف مع الخطر لا يُبطل خطره، بل يؤجّله فحسب.
ومن يتّخذ المناورة منهج حكم، سرعان ما يجد نفسه أسيراً لها تدور عليه كما أدارها على غيره.
ومن يجعل الضرغام بازاً لصيده، قد يكتشف أنّ الضرغام يفترس من استعان به قبل أن يفترس عدوه.
وكذلك من يستدعي النار ليتحصّن بها، قد يفيق متأخراً أنّها لا تميّز بين خصم وصديق.
فالنار إن لم تجد ما تأكله أكلت بعضها، وإن وجدت التهمت الجميع بلا تفرقة.
وما مصير علي عبد الله صالح ببعيد.
رجل ظن أنه أتقن الرقص على رؤوس الثعابين، وأن بوسعه أن يدير تناقضاتها إلى ما لا نهاية.
لكنه حين اختلّ الميزان، انقلبت عليه التحالفات التي نسجها بيده، وصار أسير اللعبة التي أجادها طويلًا.
فالتاريخ لا يُكافئ من يراهن على التقلب، بل يذكّره بأن الحبال التي يشدّ بها الآخرين قد تلتف حول عنقه ولات ساعة مندم.
إن التحول من تمجيد السلاح إلى مغازلة المدنيين قد يُفهم سياسيا بوصفه براغماتية، لكنه أخلاقيا يطرح سؤالا أعمق.
هل يمكن لمن راهن على القوة وحدها أن يصبح فجأة حارساً يؤتمن على التحول المدني؟
أم أن الشرعية، مثلها مثل الثقة، تُبنى ببطء، وتُهدم في لحظة؟
ولا يُلدغ الثائر من جحر الغدر والخيانة مرتين.
هكذا تُعرّي اللحظة الفارقة جوهر الانتهازية، خطاب يتبدّل، وتحالفات تتقاطع، ووعود تُستهلك حتى الفراغ.
أما الشعوب، فذاكرتها أطول من أعمار المناورات البليدة، وأشدّ صبراً من حسابات اللحظة الراهنة.
ومن يظن أن بإمكانه غسل يديه من الأمس بكلمات اليوم، قد يكتشف أن بعض البقع لا يمحوها إلا اعتراف صريح، أو حساب لا مفرّ منه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.