ما بعد الطينة: هل دخلت للمشتركة في سنوات التيه بدولة البحر والنهر ؟

عمار سعيد

لم تعد “الطينة” مجرد جغرافيا حدودية؛ إنها لحظة اختبار حقيقية لمسارٍ سياسي–عسكري اختارته القوات المشتركة حين غادرت “مربع الحياد ” إلى موقع الطرف المنخرط في حربٍ مفتوحة. السؤال اليوم ليس من تقدّم ومن تراجع فحسب، بل: ما الذي كسبته هذه القوات من هذا الاصطفاف؟ وما الذي خسره الإقليم معها؟
*من وظيفة الحماية إلى عبء الاصطفاف*
القوات المشتركة نشأت في سياق اتفاقات سلام لتأمين المدنيين ومنع عودة الفوضى. لكن مع انخراطها المباشر في معارك متعددة المحاور في دارفور وكردفان، تبدّل تعريفها في الوعي العام. حين تتحول قوة محايدة إلى طرف اصيل في الحرب، تتبدّل نظرة الناس إليها: من درعٍ مجتمعي إلى لاعبٍ في صراع أكبر من قدرتها على ضبط مساره.
هذا التحول لم يكن بلا كلفة. فكل خسارة ميدانية انسحاب وهزيمة من عدة محاور، إعادة تموضع تحت الضغط، فقدان مناطق نفوذ تاريخي لم تُقرأ بوصفها تكتيكًا عسكريًا عابرًا، بل باعتبارها نتيجةً لاختيارٍ استراتيجي مُلتبس. ومع فشل الخطاب القبلي الذي انتهجه قادتها مناوي وجبريل صار التراجع يوجع مرتين: مرة في الميدان، ومرة في الثقة.
*الهزيمة حين تفقد روايتها*
الحروب لا تخلو من كرٍّ وفرّ. لكن المشكلة تبدأ حين تتكرر صور الارتداد دون سردية متماسكة تُقنع القواعد الاجتماعية بجدوى التضحيات. في دارفور، خصوصًا حول محيط الفاشر ومناطق الشمال، وفي تخوم كردفان، تزايدت الأسئلة الشعبية: إلى أين؟ ولأي أفق سياسي؟
القوة التي لا تملك مشروعًا سياسيًا واضحًا، تُصبح كل خسارة لديها قابلة للتحول إلى أزمة معنى. والتاريخ يُظهر أن الجيوش قد تتعافى من ضربة عسكرية، لكنها لا تتعافى بسهولة من فقدان الحاضنة الاجتماعية.
*الكلفة البشرية… من يدفع ثمن القرار؟*
أثقل ما في المشهد هو الثمن البشري. فالمقاتلون في الصفوف الأمامية، وأسرهم في القرى والمعسكرات، هم من يدفعون كلفة قرار اتُّخذ لضرورات مادية بحتة . ومع اتساع رقعة الاستنزاف، تعالت أصوات همسًا وجهارًا في مدن مختلفة تسأل: هل هذا المسار يخدم إنصاف الإقليم، أم يُدخل أبناءه في دورة استنزاف طويلة بلا مكسب سياسي ملموس؟
*القرآن يضع قاعدة تداولٍ لا تستثني أحدًا:*
“وتلك الأيام نداولها بين الناس” (آل عمران: 140).
النصر والهزيمة يتداولان، لكن ما يبقى هو أثر القرار في ضمير الناس.
*التفلتات… حين يهتز الانضباط تهتز الشرعية*
في بيئات الحرب، يكفي أن تتكرر شكاوى من تفلتات منسوبين القوة المشتركة من احتكاكات ونهب وسرقة وتجاوزات، فوضى سلاح حتى تتبدّل المعادلة. وتتم شيطنة القوة المشتركة ،وتتحول من مظلة أمان مرتجي إلى مصدر قلق. ومع كل حادثة غير منضبطة، تتآكل الثقة التي يروج لها .
لا شرعية لبندقية مأجورة لا تضبطها اخلاق ولا قانون. خصوصًا في مناطق أنهكتها الحروب لا يمنحون الثقة بسهولة في اشخاص وقادة مستعدين ان يبعوا مواقفهم لمن يدفع اكثر بلا ادني قيمة لدماء ابناءهم واهلهم
*العصبية بدل البرنامج*
من أخطر ما يلوح في الأفق أن تُستبدل السياسة بالتعبئة العصبية. حين يُستدعى الانتماء القبلي ليكون هو “البرنامج”، يتحول المجتمع إلى وقود تعبئة، لا إلى شريك في مشروع. العصبية قد تمنح دفعة سريعة، لكنها لا تبني دولة ولا تحمي سلامًا.
التحالفات التكتيكية القصيرة قد تبدو مغرية، لكن التاريخ يحذر: من يضع بوصلته في يد غيره، يفقد اتجاهه أولًا ثم يفقد صورته ثانيًا. والآية واضحة في معناها الأخلاقي والسياسي:
“ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار” (هود: 113).
الركون ليس فقط موقفًا عقديًا؛ هو أيضًا رهان سياسي قد يُفضي إلى عواقب لا تُحمد.
*الطينة… لحظة مراجعة لا لحظة دعاية*
الطينة اليوم ليست منصة خطاب، بل لحظة محاسبة.
هل لدى المشتركة رؤية واضحة لما بعد هذه الجولة؟
هل تستطيع إعادة تعريف دورها كقوة حماية مجتمعية تضع المدني أولًا؟
أم أن كلفة التراجع باتت سياسيًا أثقل من كلفة الاستمرار؟
أحيانًا لا يواصل الفاعلون مسارًا لأنه الأفضل، بل لأن الاعتراف بخطئه مؤلم. وهنا يحذر النص القرآني من “العزة بالإثم” (البقرة: 206): أن يمنع الاعتداد بالنفس من مراجعة القرار.
طريقان
*المشهد يختصر نفسه في خيارين:*
1. مراجعة شجاعة تعيد ترتيب الأولويات، وتُخضع السلاح لمشروع سياسي جامع يحفظ كرامة الإقليم وأهله.
2. الاستمرار في الاستنزاف حيث تتحول المواقع إلى رموز صمود لفظي، بينما تتراكم الخسائر بصمت.
في النهاية، ليست القضية من ربح معركة، بل من ربح الناس.
القوة التي تفقد ثقة مجتمعها تخسر—even لو ربحت جولة.
والإقليم الذي عانى طويلًا لا يحتمل أن يكون مرة أخرى وقودًا لصراعٍ لا يكتب له مستقبلًا واضحًا.
الطينة إذن ليست آخر معقلٍ جغرافي؛ إنها آخر فرصةٍ سياسية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.